فهرس الكتاب
خبِّرني بالله عليك، كيف يستطيع الرجل أن يجمع النقيضين في جوفه؟؟!! يدَّعي الصلاح ويُسجَن ويُلاحَق في الأرزاق بسببه، وفي نفس الوقت يفعل ما يهدم هذا الادعاء!!
هل تستطيع أن تشرح لي يا سيدي؟!. …السؤال
قضايا وشبهات, زاد المسير, إيمانيات …الموضوع
فريق الاستشارات الدعوية…المستشار
……الحل …
…يقول الأستاذ معتز الخطيب، الباحث والكاتب الإسلامي السوري:
"أختي الحائرة .."
أحيي فيكِ هذا التساؤل الوجيه حول التعارض بين الأقوال والأفعال، أو بين حال وحال، أو بين مجال ومجال آخر، لشخص واحد.
ثمة شيء أغبطك عليه، وهو أن الحالة الفردية أو الحالات التي شاهدتِ فيها هذا الانفصام وقفتْ بك عند مجرد (الحيرة) ، التي دفعتك إلى (التساؤل) الذي هو مفتاح التفسير الذي يبدد حيرتك تلك، ولم تتمادَ بك تلك الحالة أو الحالات (الفردية) إلى إطلاق الأحكام العامة على كل الدعاة مثلًا، أو إلى النفور من الدعوة نفسها، كما يحدث لبعض (المشوَّشين) نسأل الله تعالى لهم التوفيق والسداد.
ولو انطلقنا من سؤالك لوجدنا أنك تتحدثين عن (خداع) ، وتطلبين الجواب عن: كيف يجتمع النقيضان في رجل: دعوى الصلاح، وفعل ما يهدمها. لكنك لم تذكري لنا تفاصيل هذا الصلاح الذي يدَّعيه صاحب الموقف، ولا حقيقة الفعل الذي يقوم به مما يهدم دعوى صلاحه.
فهل لنا أن نكتفي بهذا منك وننطلق معك بناء على حُكمك عليه بأنه رجل (مخادع) ؟.
لعل الصواب هنا أن نُقِر بوجود مثل هذه الحالات مما نعرفه حقّا، وسنمضي معًا في تحليل هذه المواقف الموجودة، وأن ننزلها منزلة (الظاهرة) حتى يتسنى لنا تفسيرها، واقتراح سبل معالجتها، وليس هذا حُكمًا منا على الأشخاص، سواء الذين تعنينهم أنت في سؤالك، أم الذين نعرفهم نحن.
لقد تحدث القرآن الكريم عن هذه الظاهرة، فقال: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) ، وقال: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) .
وتحدث النبي صلى الله عليه وسلم عنها أيضًا، فقال: (لأعلمنَّ أقوامًا من أُمَّتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تهامة بِيضًا، فيجعلها الله عزَّ وجلَّ هباءً منثورًا) ، قال ثوبان - راوي الحديث -: يا رسول الله، صفهم لنا، جَلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: (أما إنَّهم إخوانكم ومن جِلْدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنَّهم أقوامٌ إذا خَلَوْا بمحارم الله انتهكوها) رواه ابن ماجة بسند صحيح.
نريد من هذا أن نقول: إن المشكلة التي تُحيّرك - أختي - موجودة قديمًا وحديثًا، لكننا نقع في الخطأ الجسيم إذ نصل بالدعاة والعلماء وغيرهم مرتبة (التقديس) فيُخيَّل إلينا أنهم لا يكادون يخطئون، أو أنهم كالملائكة استوجبوا رضوان الله، واستقاموا على الطريقة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون!!.
لماذا حين نحب رجالًا أو نُقدِّرهم نتناسى صفتهم الراسخة أنهم (بشر) ، والتي ألحّ عليها القرآن وكذلك السنة النبوية في خصوص الأنبياء، مخافة أن يتم تقديسهم، فكيف بمن هم دونهم؟!.
هذه هي المشكلة الأولى، وهي أن علينا أن نُنقّي تصوراتنا عن مثل هذه الأوهام، ونعلم أن الكل يخطئ، وقد أخطأ الأنبياء، والصحابة رضوان الله عليهم، وما أحداث غزوة أحدٍ، وحادثة الإفك في سورة النور، وفي الثلاثة الذين خُلِّفوا في سورة التوبة، وغيرها عنّا ببعيد. فإذا ما فعلنا ذلك تحقق أمران:
الأول: تذكرنا أن هؤلاء جميعًا (بشر) ، فسهُل علينا تجاوز أخطائهم.
الثاني: علمنا أنهم حين أخطئوا أخطئوا بصفتهم البشرية، وهذا لا يعني أن ثمة خللًا في مبادئ الدين وقيمه التي يحملونها، فنترك خطأهم ونثبُت على المبدأ.
لكن من حقنا التساؤل: لماذا يقع الخطأ؟
لن نعتبر مقولة: (لأنهم بشر) هي الجواب، لا، فثمة احتمالات متعددة يمكن لها أن تكون تفسيرًا لهذه المشكلة:
أولًا: هناك مسافة تفصل المبدأ والفكرة عن الواقع، وهي المسافة التي تفصل المشخص عن المجرد.
فالمبدأ فكرة مجردة تنزع دومًا نحو الكمال، والواقع مشخص كثيرًا ما يكون دون المثال، وهنا تنشأ فكرة (مجاهدة النفس) و (تغيير الواقع) ، ليطابق النموذج المثال الذي نحمله في أذهاننا.
والحياة في ميزان الفكر: عملية تغيير مستمرة، وفي ميزان المتصوفة: تربية للنفس مستمرة.
وفي هذا السياق يمكننا أن نفهم قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدِّين يُسْر، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغُدْوة والرَّوحة، وشيءٍ من الدُّلْجة) رواه البخاري.
ثانيًا: بعض الدعاة يحتاجون إلى فهم الواقع وإنشاء علاقة سوية مع العصر ومنجزاته؛ فهم يدعون إلى مجموعة من الأفكار المستمدة من كتب التراث، والتي لا تحمل (راهنيتها) وبالتالي تكون منعزلة عن الواقع، ولا يمكن تطبيقها إلا بمخاصمة أو منافرة الواقع، بل إن بعضهم يدعو إلى الانسحاب من الواقع لأنه كله شرور!
هؤلاء - أو تلامذتهم - حينما سيضطرون للتعامل مع الواقع والانخراط فيه، لن يكونوا مهيئين للتعامل معه، وأفكارهم وتصوراتهم لا تملك قابلية التطبيق، وهنا إما أن يمارسوا انفصامًا عمليّا بين الفكر والعمل، أو أن يعودوا إلى انعزاليتهم.
ثالثًا: مشكلة في الفهم والإدراك العميق لقيم وتعاليم الإسلام، فكثيرًا ما يسيطر على الدعاة والمعلمين والمتعلمين في فهم الإسلام البعد الغيبي (الميتافيزيقي) وهذا في أحد أوجهه عجز عن إدراك الأبعاد الأخرى للوحي، أعني الأبعاد الاجتماعية والواقعية المشخصة للوحي.