فهرس الكتاب
فمثلًا: دائمًا ننظر إلى (الإيمان) على أنه مفهوم غيبي، في حين أن القرآن يلح على بُعد واقعي للإيمان، فيقول: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) ، ويقول: (إن الشِّركَ لظلم عظيم) ، والأمن والظلم لهما تجليات واقعية في المجتمع، نأمل أن نجلي هذه المسألة لاحقًا.
رابعًا: يولَع البعض في الحديث عن مثل هذه المشكلة بالقول: إنها أزمة نفس وشهوات وضعف إيمان، وهذا حق من وجه، لكن المشكلة ليست نفسية أو إيمانية قلبية فقط، بل هي فكرية أيضًا، ويمكن أن تكون المشكلة في أن النفس لا تملك خيالًا قويّا قادرًا على أن يمثل للوعي رؤية ملموسة تكون القيم فيها قادرة على ممارسة جاذبيتها للقلب بكل طاقاتها.
وهذا الخيال لا يتحقق إلا من خلال تزكية البعد الإيماني والأخلاقي وتحفيزه إلى أقصى غاية، لكي يتناسب مع حجم التحديات التي تفرضها الحياة المعاصرة؛ هذا فضلًا عن وجود قناعة عقلية راسخة بصحة الأفكار واقعيّا، والإيمان بكونها سبيلًا للصلاح الدنيوي قبل الأخروي.
والسر في أن بعض هؤلاء الذين يعانون من الازدواجية يواجهون العنت والمضايقة في الأنفس والأرزاق في سبيل المبادئ التي ربما يتخلون عن بعضها منفردين: أنهم حين يواجهون تحديًا ظاهرًا مشخصًا يقوون على الثبات والمواجهة باعتباره يهدد وجودهم، في حين أنهم لا يشعرون بوجود هذا التحدي حين ينفردون بأنفسهم، وهذا يؤكد عدم وجود هذا الخيال القوي الذي تحدثنا عنه.
وهذا هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأتقى والأعلم يجأر إلى ربه، ويقول: (يا حيُّ، يا قيُّوم، برحمتك أستغيث، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين) رواه الحاكم وصححه.
فالعلاج إذن يكون من جهتين:
الأولى: فكرية، بتصحيح الفهم وتنقية التصورات وعدم تقديس الأشخاص.
والثانية: إيقاظ الإيمان بالرقيب القريب، ثم اعتياد الصحبة والمخالطة النافعة، ويعين على ذلك تذكُّر أنَّ الله يسمع ويرى ويعلم كل شيء، والكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون، والجوارح كلُّها تشهد لا تغيب، وسوف تُستَشهَد فتشهد عليك يوم الحساب"."
وتضيف الأستاذة منال درويش، الأديبة المصرية، وعضو فريق الاستشارات:
"أختي الحبيبة نرمين، سلام الله عليكِ ورحمته وبركاته،،"
لا أخفي عليكِ سرّا أن حيرتكِ هذه تنتاب الكثيرين منّا، وأحسب أن من نتحدث عنهم هنا هم القلة القليلة بإذن الله، الذين يبطنون غير ما يظهرون، ويفعلون شيئًا ويتحدثون عن نقيضه،، وهؤلاء من وصفهم رب العزة بأنهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب.
وهذا النموذج من الدعاة ربما يكون للكثيرين جسرًا يعبرون من فوقه ومن خلاله إلى الجنة، ثم يسقط هو في النار، أعاذنا الله وإياك منها ومن سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
أختي الحبيبة، إن الداعية الذي أهَّل نفسه تأهيلًا فقهيّا وعلميّا ونفسيّا لخوض غمار الدعوة إلى الله عز جل، يجب عليه أن يعترف أمام نفسه قبل الناس أنه بشر وليس ملاكًا معصومًا من الخطأ، حيث إن إغفال الجانب الإنساني والنفسي في شخصية هذا الداعية قد يؤثّر عليه بالسلب إن لم يصلح ما به من عيوبٍ وأخطاء؛ لأن من البديهي معالجة مرضي قبل أن أعالج أمراض الآخرين، وبعض الدعاة يرى نفسه- أو يراه الآخرون - إنسانًا غير قابل للخطأ أو الزلل، وبالتالي فإن هذا الشعور وتكريسه يجعله ينظر للآخرين بفوقية شديدة، وينسى أنه من بني آدم الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء) رواه الترمذي بسند حسن.
ومن جانب المجتمع نجد أنه قد يضع حول هذا الداعية هالات من القداسة، تجعله يُصدَم وينزعج حين يرى هذا الداعية يقع في الزلل، أو في موضع تقصير في جانب من الجوانب، وبعدها نجد المجتمع يتقبله في امتعاض، غير آبه بما يلقيه عليه من خطب ومواعظ؛ لأنه أردك أنه يقول شيئًا ويفعل شيئًا آخر، فيتحدث - مثلًا - عن حسن المعاملة، ووجوب أداء الحقوق لأصحابها، والسماحة في البيع والشراء والاقتضاء، شارحًا بالقرآن والسُّنة في بلاغة وفصاحة، ثم عندما تعامله تجد العجب العُجَاب، وكأنه تحول إلى شخص آخر تمامًا غير الذي كان يقف على المنبر، أو الذي كان يجلس معك في حلقة إيمانية، يسيل من فمه فيها الكلام العذب الذي يجعل القلوب تذوب رقة وشفافية.
وقد واجهتُ على المستوى الشخصي حالات معدودة من أمثال هذا النموذج من الدعاة، ولأشد ما آلمني أني وجدت من يبرر لهم ذلك تبريرًا واهيًا، إذ فاجأني أحد أصحابهم عندما شكوت إليه تصرفات صاحبه الداعية، بقوله: (إنه رائع ومثالي جدّا عندما نجتمع في حلقات الإيمان والذكر، ولكن يعيبه أن تعاملاته غير منضبطة) !! وكأن هذا شيء عادي يوضع في مصاف الهنَّات الصغيرة المقبولة من فاعلها، والمتجاوَز عنها، فذكَّرَني هذا برواية عن عمر رضي الله عنه، حيث قال له رجل: إن فلانًا رجل صِدق، فقال له: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: فهل كانت بينك وبينه معاملة؟، قال: لا، قال: فهل ائتمنته على شيء؟ قال: لا، قال: فأنت الذي لا علمَ لك به، أراك رأيتَه يرفع رأسه ويخفضه في المسجد!!.