فهرس الكتاب
فنجد أن عمر رضي الله عنه لم يرضَ بقول الرجل في أحد الناس، وشهادته له، لمجرد أنه رآه يصلي في المسجد، وإنما سأله عن أمور أخرى هامة وأساسية - في نظره - للحكم على الناس، وتصلح معايير يُحتكَم إليها، غير مجرد إظهار شعائر العبادات، ولا يتعارض هذا مع حديث: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان) ، فهو مع كونه حديثًا ضعيفًا، إلا أن الإمام القرطبي قد نقل في تفسيره - بعدما أورد هذا الحديث - عن ابن العربي قوله: (وهذا في ظاهر الصلاح، ليس في مقاطع الشهادات، فإن الشهادات لها أحوال عند العارفين بها، فإن منهم الذكي الفطن المحصِّل لما يعلم اعتقادًا وإخبارًا، ومنهم المغفّل، وكل واحد ينزل على منزلته ويقدر على صفته) .
أختي الحبيبة، أحسب أن الازدواجية أو الانفصام الذي تحدثت عنه في غالب أشكاله، ليس بالضرورة أن يكون عن عَمْد، فيصبح خداعًا كما أسميتِه، وبالتالي يكون ضربًا من ضروب النفاق والعياذ بالله، والذي يقول فيه عز وجل: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) ، ويقول أيضًا: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيمًا . يَسْتَخْفُونَ من الناس ولا يَسْتَخْفُونَ من الله) ، واتباعًا لأمر ربنا فلن نجادل عن هؤلاء، فهم ليسوا في مناط التناول في استشارتنا تلك، فهؤلاء حكمهم معروف.
أما مَن نتحدث عنهم هنا، فهم الصنف المؤمن الذي تغلبه شهوته وهواه أحيانًا، وهم الذين لم ينزع ربنا عز وجل عنهم صفة الإيمان، حين ناداهم قائلًا: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون . كبُر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) .
وأعتقد - يا حبيبتي - أنهم ما داموا - كما ذكرتِ - يتحملون الابتلاء في سبيل الله عز وجل وفي سبيل دعوته وإعلاء كلمته، فهم على بقيةٍ من خير إن شاء الله، ويُرجَى إقلاعهم عما يخالف نهجهم، ولنترفق في نصحهم، متأسين بالأسلوب الرباني اللطيف الرقيق في عتابهم: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون . كبُر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) ، وأظن أن بقية الخير التي فيهم سيكون لهذا العتاب صدى فيها، وتأثر ينتج سعيًا إلى الاستدراك بإذن الله"."
ويضيف الدكتور أحمد ربيع:
"إن مطابقة قول الداعية لعمله أمر مهم، حتى يصدق الناس دعوته، فالحق هو الحق، ولكنه يحتاج إلى بيان عملي ممَّن يقدمه، والناس ينظرون إلى سلوك الداعية، هل تتطابق أعماله مع أفعاله أم يخالف قوله عمله؟ فإن تطابقت الأقوال مع الأعمال أقبل الناس على الداعية، أما إذا خالفت أفعال الداعية أقواله، نظر إليه الناس باستخفاف ولسان حالهم يقول: لو كان ما يدعونا إليه خيرًا لألزم نفسه به، فالتطبيق العملي أمر ضروري لنجاح الداعية في دعوته، فلن يستقيم الناس على الهُدَى ما لم يرَوا إمامهم قد سبقهم إليه، فأصبح قدوة صالحة، ومنارة على الطريق، يستضيء بنورها الساري."
لقد التزم بهذا المنهج رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فها هو شعيب يعلن لقومه: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) .
فمن الواجب أولًا على الداعية أن يطبق ما يقول على نفسه، وإلا أصبح مثله مثل الطبيب الذي يداوي المرضى وهو مريض، كما قال القائل:
ألا أيها الرجل المعلم غيره……هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا…… كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا……وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها……فإذا انتهت فأنت حكيم
فهناك يُسمَع ما تقول ويُشتَفَى……بالقول منك وينفع التعليم
أما الازدواجية التي تستغربينها - أختي السائلة - فإنها ليست ازدواجية، وإنما هي نفاق عملي، يقصد منه صاحبه النفع المادي، ومن يفعل ذلك فليس في الحقيقة داعية من الذين يدعون إلى ربهم على بصيرة، إنما هو ممَّن أراد الحياة الدنيا وزينتها، وزُيِّن له سوء عمله فرآه حسنًا، وهو ممن عناهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (يؤتَى بالرجل يوم القيامة فيُلقَى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحَى، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) رواه مسلم.
واعلمي أيتها الأخت الفاضلة أن هؤلاء الناس الذين يعملون بوجهين، إذا كانوا يستطيعون خداع الناس فلن يستطيعوا خداع رب الناس"."
وفقك الله أختي الكريمة، ونرجو أن نكون قد استطعنا أن نزيل حيرتك، ومرحبًا بك وبرسائلك دائمًا.
العمل الجماعي.. أسس وضوابط
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما فتئ علماؤنا الأجلاء يحثون على العمل الإسلامي في جماعة، وأذكر هنا ما جاء في محاضرة الدكتور يوسف القرضاوي بالمغرب، لكن ما هو المعيار الذي نبني عليه اختيارنا وعلى أي أساس؟ وهل ما يسمى بجماعات الإسلام السياسي يمكن العمل في إطارها رغم ما يتعرض له بعضها من مضايقات؟ والتي لا تتعرض لهذه المضايقات كيف نقيم جدواها ونحن نشهد ذوبانها في الساحة الحزبية دون القدرة على تفعيل قناعاتها على الواقع؛ فتجد ممثليها يتمايلون على إيقاع أصحاب القرار من غير حول ولا قوة؟ هل من حقنا أن نتساءل: أي الفريقين أهدى؟
الوضع لدينا لا يخفى على أحد، والحيرة تؤلمني وتقعد بي؛ فما العمل إذن؟ والحساب يتبعني، وهم الأمة لا يفارق تفكيري، همي هو خدمة هذا البلد وهذه الأمة، وأن ألقى الله وهو راض عني.
…السؤال
الدعوة والحركة …الموضوع
فريق الاستشارات الدعوية…المستشار
……الحل …