الصفحة 1710 من 3812

…يقول الشيخ باهشام بن سالم -عضو رابطة علماء المغرب-:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه وبعد..

قبل الإجابة على الأسئلة المطروحة من قبل الأخت الكريمة لا بد أن نطرح سؤال المناطق الذي يقولون فيه: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ونحن نريد أن نحكم على الحركات الإسلامية بالمغرب، وأيها أنفع وأجدى؟ وهذا يتطلب منا أن نحدد أولا ما هو الهدف من تأسيس الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي عموما وفي المغرب خصوصا؟ وبعدها يوضح لنا مدى ضرورة الانتماء إلى أي جماعة من هذه الجماعات.

هذه الحركات الإسلامية تأسست، وكان تأسيسها واجبا وضروريا لغياب أمرين في المجتمعات الإسلامية لولاهما ما تأسست:

الأول: غياب الإسلام الصحيح على الصعيد الفردي، وإذا كان في الحديث النبوي الشريف الذي ورد في الصحيح، والذي ساقه لنا الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- ليبين لنا من خلاله أثر البيئة على عقيدة الفرد وديانته؛ إذ ساق لنا قصة ذلك الرجل الذي ارتكب جريمة قتل 100 نفس بغير حق، ولما توجه إلى عالم ليستفتيه في شأن توبته بين له العالم أن باب التوبة مفتوح ما دام لم يصل إلى درجة الغرغرة، ولكن نصحه أن ينتقل من البيئة التي هو فيها، والتي تشجعه على ارتكاب المناكر إلى قرية فيها أفراد صالحون، وقد أورد المنذري في كتابه"الترغيب والترهيب"كل صيغ هذه القصة، ومن رواياتها أنه نصحه أن يهاجر إلى قرية تسمى بـ"نصرة"، ويبقى السؤال المطروح اليوم: فإذا تاب الشخص في هذه المجتمعات المفتونة؛ فأين هي"قرية النصرة"التي يمكن أن نهاجر إليها لنعيش ديننا، ولا نفتن في عقيدتنا ما دام المرء ابن بيئته؟.

ما يمكن أن نقوله أختي الكريمة في هذا السياق هو قول الله عز وجل: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} (الروم: 41) ؛ فالهجرة لا تتأتى مكانيا، وإنما تكون من بيئة مفتونة في كل بلد إلى بيئة، أصحابها صالحون، وهم أولئك الذين كونوا حركة إسلامية، هدفهم من ورائها أن يعيش الفرد دينه، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يرشدنا فيقول:"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"، والحكماء يقولون:"الطباع تجلب الطباع؛ فاختر لنفسك من أطاع". هذا هو الهدف الأول من تأسيس هذه الحركات الإسلامية.

الهدف الثاني هو تحقيق شرع الله في البلد، ويستحيل أن يتحقق إلا بتأسيس جماعة منظمة محكمة، لها منهاج واضح وطريق لاحب (واضح) ، لا غبار عليه حتى لا يُصدموا بما يخططه الكفار فينهزموا في الطريق؛ إذ من سنة الله في الكون تدافع أهل الحق والباطل لقوله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} .. هذا هو الهدف الثاني.

وإذا ما استقرأنا سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي يخبرنا فيها عما سيقع في هذه الأمة الإسلامية من فتن؛ فإننا نجد حديثا نبويا شريفا يضع لنا معالم على الطريق حتى لا نزل أو نضل؛ فيقول -عليه الصلاة والسلام-:"لتنقضُّن عرى الإسلام عروة عروة، كلما انتقضت عروة إلا وتمسك الناس بالتي تليها؛ فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة"؛ ففي هذا الحديث النبوي الشريف يجمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- طرفي ما سينتقض من دين الله؛ بدءا بالحكم، وانتهاء بالصلاة التي هي عماد الدين، والتي من أقامها أقام الدين، ومن هدمها هدم الدين.

وأي حركة إسلامية تأسست ولم تستحضر أمامها وجوب إبرام ما انتقض من دين الله فقدمها يكون في غير محله، وتكون قد وقعت في مزالق عدة، وقد أخذت جزءا من الدين، واتبعت خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} (البقرة: 208) ؛ أي ادخلوا في الإسلام جميعا، ولن يقيم الدين أحد إلا إذا أحاطه من كل جوانبه، وإلا سيكون متبعا لخطوات الشيطان بصريح نص الآية؛ فالحركة الإسلامية التي تغيب جانب إبرام ما انتقض من الحكم أو الجانب الاجتماعي أو التربوي أو العلمي أو التعبدي.. فقد وقعت في مزلق من المزالق، تكون بسببه متبعة لخطوات الشيطان.

وإذا ما سمعنا إلى الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي عموما، وفي المغرب خصوصا؛ فإنا نجدهم يتفقون جميعا في كون مرجعيتهم الكتاب والسنة، ولكنهم يختلفون في لب الأمر وأساسه، وهو: بأي فهم نفهم كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله الكريم؟ وبأية إرادة نطبق ما فهمناه فهما صحيحا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهو يتجلى في البون الشاسع بين أبناء هذه الحركات الإسلامية التي لا نتهم نياتها، وإنما تختلف في هاتين النقطتين.

وكل حركة وفقت في فهم كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الفهم الصحيح، ونزلت النصوص مستعملة فقه التنزيل دون أن تنظر إلى وقائع زماننا بمنظار عيون العلماء الذين كانوا في زمن لم يعيشوا زماننا؛ فإنه يتطلب منها أن تنتقل إلى النقطة الأساسية الثانية، وهي الهمة التي تطبق بها، وتمارس ما فهمت من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- على أرض الواقع لتعطي النموذج الصحيح للإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت