فهرس الكتاب
من هنا نعلم على صعيد الفرد وعلى صعيد الحركات الإسلامية أن قيمة الشخص وقيمة الحركات الإسلامية لا فيما تحمله من معلومات، ولكن في مدى مطابقة المعلومات للعمل؛ فإذا تمت هاتان النقطتان بطريقة صحيحة وفهم واضح؛ فلا نستغرب مما قد تتعرض له هذه الحركة من عراقيل؛ فهذه سنة الله في الأرض من قبل أهل الباطل، لهذا أخبرنا الله -عز وجل- في كتابه الكريم عن هذه الحقيقة التي هي من سنن الله في الأرض في آيات متعددة؛ فقال مثلا في سورة العنكبوت: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 1-3) .
وهذا لا يعني أن هذه الابتلاءات التي أخبر الله بها في كتابه الكريم، وعاشها الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع صحابته الكرام أن نكون متهورين في حركاتنا وسكناتنا؛ بل علينا أن نستعمل اللين في خطواتنا كلها، ولا نُستفز من قبل أعداء الله؛ حتى لا نسقط في العنف أو الإرهاب أو الأعمال الطائشة التي تدل على إحكام الخطة.
كما لا ننتقل من النقيض إلى النقيض الآخر الذي هو الارتماء في أحضان النظام والاعتراف بما يخالف الشريعة الإسلامية؛ كالاعتراف بالملكية الدستورية، وأنها من مقدسات البلد، وهذا يخالف نصوص الشريعة المحكمة الصريحة، التي من بينها الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام أحمد في المسند؛ إذ أخبرنا فيه الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- على مراحل الحكم في الدول الإسلامية فقال:"تكون فيكم النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة راشدة؛ فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا؛ فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا؛ فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت".
فالاعتراف بالحكم السائد في الدول الإسلامية الآن هو اعتراف بالملك الجبري، وبالتالي لا يبقى لتأسيس الحركات الإسلامية معنى، ومخالفة لنصوص الشريعة الإسلامية، واعتراف بوراثة الحكم، وهذا ما لم يقره شرع.
هذه خطوط عريضة ننير بها طريق الأخت الكريمة، نضيف إليها الاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل؛ لأن الأمر مصيري؛ حيث النزول الرباني إلى السماء الدنيا كما يليق به -سبحانه وتعالى-، وحيث يكون الرب -عز وجل- أقرب من عبده كما جاء في الحديث النبوي الشريف؛ فتتوضأ الأخت الكريمة، وتتضرع لله -عز وجل- أن يدلها على الحق، وأن يوفقها للاستجابة له بعد الأخذ بهذه الأسباب التي ذكرنا.
والله -سبحانه وتعالى- يقول لعباده كل ليلة:"هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟".. فلن يخيب الله رجاءها، وسيجعل لها الله سبحانه في الظلمة نورا، وفي الجهالة حلما، وسيرشدها إلى أحسن السبل؛ فهو كريم سبحانه وتعالى.
والله الموفق لما فيه الخير، والهادي إلى سواء السبيل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ويضيف الأستاذ محمد شاكري -داعية مغربي-:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مرحبا بأختنا الكريمة في استشارتها هذه، وأرجو الله أن ينفعنا بها، وأن يلهمنا مراشد أمورنا.
أختي السائلة، أبدأ كلمتي من حيث انتهيتِ؛ حيث السؤال المفصلي هو: كيف السبيل إلى الذود عن الأمة أفرادا وجماعة؟ كيف السبيل إلى المساهمة في بناء صرح أمتنا التليد، وهي في أحلك فتراتها التاريخية وقوى الشر من الغرب والشرق قد اجتمعت وتوحدت من أجل النيل منها ونهب خيراتها وسلب ثرواتها؟.
أختي جاء في الأثر أن جماعة من الخوارج جاءت إلى علي -كرم الله- وجهه تناقشه في أمر الفتنة، وما كان جوابه إلا أن قال:"لا أعلم لأصناف المسلمين إلا ثلاثة أصناف: إما أن تكون من المهاجرين أو من الأنصار أو من الذين قالوا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا} "؛ فبعلمه وتسديد الله له وضع الإصبع على الداء؛ فلينظر كل واحد من أي صنف هو؟ هل من المهاجرين، أم من الأنصار، أم من الصنف الثالث؟ وإلا فليراجع نفسه إن لم يكن من أحد هؤلاء.
هذا التحديد يكون بوابة طبيعية للخروج من التيه الذي يمكن أن يحسه كل شاب أو شابة غيور على دينه.
فالمسلم بعقيدته يحب كل إخوانه المؤمنين ليس المعايشين له فقط؛ بل المؤمنين في سائر الأزمنة والعصور، بهذه الروح يجب على كل مسلم أن ينظر، وأن يتفاعل مع بقية إخوانه.