فهرس الكتاب
وهنا أضرب مثالا من تاريخ أمتنا الإسلامية، وما أشبهه بحالنا اليوم، وهو تاريخ سقوط الدولة العباسية وما عاشته الأمة من التشرد والضعف والهوان؛ فكانت تجربة العابد عبد القادر الجيلاني خلال القرن السادس الهجري؛ حيث أبلى البلاء الحسن من أجل الخروج من الفُرقة والتشرذم الذي كانت تعيشه الأمة آنذاك، سمته التعصب المذهبي والطائفي العشائري... تعصب لم تسلم منه أي ناحية من مناحي الحياة آنذاك، والشواهد التاريخية كثيرة شاهدة على ذلك، ومن أمثلتها ما جاء في"البداية والنهاية"لابن كثير؛ حيث في عام 469هـ حين قدم إلى المدرسة النظامية ببغداد أبو نصر بن القشيري، وأخذ يذم الحنابلة، وينسبهم إلى التجسيم، وأيده بعض شيوخ المذهب من مدرسي المدرسة مثال الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وأبي سعد الصوفي؛ فثارت الفتنة، وامتدت إلى خارج المدرسة؛ حتى إن جماعة من أنصار الشافعية هاجموا أبا جعفر بن موسى (شيخ الحنابلة) وهو في مسجده، فدافع عنه أنصار الحنابلة، واقتتل الناس بسبب ذلك.. هذا مثال من آلاف الأمثلة التي كانت تعج بها الساحة الثقافية والاجتماعية والفكرية للأمة الإسلامية خلال ذلك العصر.
أمام هذا الوضع كانت مبادرات الشيخ عبد القادر الجيلاني للخروج من هذه الأزمة بإعداده لمجموعة من الطلاب في المدارس التي أنشاها في بلاد الرافدين والشام متصفين بمجموعة من الكفايات تجاوزت عشرة، أذكر منها:"كان لزاما على كل طالب علم لديه (مريد) ألا يشهد على أحد من أهل القبلة بشرك أو كفر أو نفاق، فإن تحقق فيه ذلك كان أقرب للرحمة، وأقرب لأخلاق السنة، وأبعد من ادعاء العلم، وأقرب إلى رضاء الله، وهو باب شريف يورث العبد رحمة الخلق أجمعين".
والكفاية الأخرى:"على طالب العلم (المريد) أن يتصف ويتسم بالتواضع؛ إذ به تعلو منزلة العابد، وهو خصلة أصل الأخلاق كلها، وبه يدرك العبد منازل الصالحين الراضين عن الله في السراء والضراء وهو كمال التقوى".
ويعرف التواضع بنفس التعريف الذي كان للإمام الغزالي رحمة الله تعالى عليه؛ وهو"ألا يلقى العبد أحدا من الناس إلا رأى له الفضل عليه؛ فإن كان صغيرا قال: هذا لم يعص الله وأنا قد عصيت فلا شك أنه خير مني، وإن كان كبيرا قال: هذا عبد الله قبلي، وإن كان عالما قال: هذا أُعطيَ ما لم أبلغ، ونال ما لم أنَل، وعلم ما جهلت، وهو يعمل بعلمه، وإن كان جاهلا قال: هذا عصى الله بجهل، وأنا عصيته بعلم، ولا أدري بما يختم لي وبما يختم له، وإن كان كافرا قال: لا أدري عسى أن يسلم فيختم له بخير العمل، وعسى أن أكفر فيختم لي بسوء العمل، وهذا باب الشفقة والوجل".
أختي، أحببت أن أذكرك بهذه المواقف التي أعتقد أنها الأصل في التعامل مع عباد الله جميعا؛ إذ كلما نظرت إليهم ازددت صغرا في عينيك؛ إذ كل واحد منهم لا يألو جهدا في التقرب إلى الله تعالى.. فما هو حالي؟ وأين هو موضعي؟ وما هو واجبي تجاه هذه الأمة وتجاه ديني وخالقي وبارئي؟...
عندما تتضح هذه الأسئلة يكون الجواب هو أنني مقصر في أداء الواجب؛ إذ الأصل أن أحاسب نفسي على ما فرطت فيه في جنب الله، ولست مسئولا عن محاسبة الآخرين، أفرادا وجماعات؛ فالجماعات والجمعيات ما هي إلا وسائل من أجل إدراك الغاية الكبرى، وهي الفوز بمرضاة الله تعالى، كل يبحث عن الوسيلة التي يتقوى بها إيمانه، وتزداد قوته، ويزداد عطاؤه، وبالتالي يغترف أكثر فأكثر من الثواب.
هكذا يجب أن ننظر إلى هذه الوسائل، وننظر إلى أن قوة هذه الوسائل منوطة بتضحيات وبتفاني أفرادها وأعضائها، ولن تكون له هذه القوة إلا إذا كانت لهم قلوب كما وصفها الإمام علي للخوارج"المغفرة للذين سبقونا بالإيمان"، بهذه القلوب الصافية الطاهرة يمكن أن تتقوى الجهود وتتضاعف، بالإضافة إلى الإخلاص وتحري الصواب.
أختي في الأخير وكما هي العادة في الاستشارة.. القول الأخير لك؛ فالوسائل المتاحة في الواقع يمكن أن نمثل لها كالقطارات التي اتجهت نحو مرضاة الله تعالى حاملة لواء الذود عن الأمة، وما تتعرض له ركبها من ركبها، وتقاعس من تقاعس. أعانك الله ووفقك لكل خير وسدد خطاك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الداعية والحب.. ما نملك وما لا نملك
بسم الله الرحمن الرحيم،
السلام عليكم ورحمة الله،
الاستشارة بخصوص غضِّ البصر، لي أختٌ في الله، في بداية الحياة الجامعيَّة، وتشكو لي أنَّها وقعت في ما يسمَّى"الحبّ"نتيجة عدم غضِّ البصر، وطلبتُ منها البعد عن هذا، ولكنَّها بدأت في البكاء بحرقةٍ لأنَّها تدَّعي أنَّها وقعت في الحبّ، والشابُّ الذي تحبُّه من الشباب الملتزم.
فماذا أفعل معها؟
جزاكم الله كلَّ الخير.
أختكم في الله سلوى. …السؤال
الدعوة النسائية, الدعوة الفردية, الدعوة النسائية, الشباب …الموضوع
الأستاذ فتحي عبد الستار…المستشار
……الحل …
…الأخت الكريمة سلوى،
مرحبا بك، وجزاك الله خيرًا على اهتمامك بهذه الأخت وحرصك عليها.
وبدايةً أستأذنك في أن أناقشك في المحور الذي حدَّدته لمشكلتك، حيث قلت:"الاستشارة بخصوص غضِّ البصر"، ثمَّ تحدَّثت عن مشكلة زميلتك ووقوعها في الحبّ، وحدَّدت السبب بأنَّه نتيجة عدم غضِّ البصر.
أنا معك في أنَّ النظر هو رائد القلب ورسوله، وكما قال الشاعر:"كلُّ الحوادث مبدؤها من النظر"، ومعك في أنَّ إطلاق البصر دون ضابطٍ يورِد الإنسان ذكرًا أو أنثى موارد التهلكة، كما أنَّنا مأمورون من قِبَل الله عزَّ وجلّ بغضِّ أبصارنا عن النظر إلى ما حرَّم الله عزَّ وجلَّ النظر إليه.