فهرس الكتاب
ولكنِّي -رغم ما سبق- لست معك في إلقائك اللوم كلَّه والمسئوليَّة على عدم غضِّ البصر وحده، فإنَّ هناك أسبابًا حقيقيَّةً أخرى يغفل أو يتغافل عنها الملتزمون والملتزمات ومن يوجِّههم ويرعاهم.
إنَّ الشباب الملتزم والفتيات الملتزمات، لهم أحاسيس ومشاعر وفِطَر، لا تختلف عن غيرهم من أقرانهم، ومحاولة كبت وخنق هذه المشاعر والأحاسيس والفِطَر تؤدِّي إلى عيوبٍ نفسيَّةٍ شديدةٍ تؤتي آثارها الضارَّة على علاقة هؤلاء الشباب بأنفسهم وبالمجتمع من حولهم، وتصيبهم بنوعٍ من انفصام الشخصيَّة، فالعديد منهم قد يعيشون أو"يُظهِرون"أنفسهم في قالبٍ معيَّن، وحينما يخلون مع أنفسهم أو مع بعض الأصدقاء البعيدين عن مجتمع الملتزمين يعيشون في قالبٍ آخر، وهذا يؤدِّي بدوره إلى صراعٍ داخليٍّ يعتلج داخل نفس الشابِّ والفتاة، حيث يتهمَّان أنفسهما بالنفاق والرياء.
ويصاحب ذلك غرس وإشاعة بعض المفاهيم المغلوطة والمبالغ فيها عن غضِّ البصر والاختلاط لحصر أسباب الانحراف فيهما وحدهما، فيُفسَّر أمر الله عزَّ وجلَّ بغضِّ البصر، بوجوب الإغماض التامّ، ويُفسَّر التحذير من آفات الاختلاط غير المنضبط بالفصل التامّ!!.
ودعينا نصارح أنفسنا بأنَّ مثل حالة هذه الأخت كثيرٌ ومنتشر، نقول ذلك من خلال ما يرد إلى الموقع من استشاراتٍ ومشكلات، وذلك يرجع للأسباب التي ذكرناها، وظهور مثل هذه الحالات وانتشارها في أوساط الملتزمين تدعونا إلى ضرورة التفكير بطريقةٍ أخرى في مسألة التربية، طريقةٍ لا تتجاهل وجود الجنس الآخر في الحياة، وتكرِّس مفهومًا واضحًا للتعامل الطبيعيِّ المنضبط مع هذا الجنس، كما كان عليه العهد في مجتمع النبيِّ صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام.
أمَّا إهمال وجود الجنس الآخر، وتحريم وتجريم التعامل معه أو الاتِّصال به بأيَّة طريقةٍ من الطرق، إنَّما هو منافٍ للفطرة البشريَّة، ومحاولةٌ يائسةٌ تصطدم بالواقع الحياتيِّ عاجلًا أو آجلا، فتظهر سلبيَّات ذلك عندما يتعامل هؤلاء الشباب مع المجتمع المنفتح من حولهم، والذي يبدو جليًّا في الجامعة المختلطة بعد حقبةٍ طويلةٍ من الانعزال وغرس جذوره، فتجد -إلى حدٍّ كبير- عدم توافق العديد من الشباب الملتزم النفسيِّ مع زملائهم وزميلاتهم في الدراسة، ومن ثَمَّ العمل، وربَّما تظهر بعد ذلك مشكلاتٌ في حياتهم الزوجيَّة، هذه السلبيَّات ما كانت لتظهر لو اعتاد الشابُّ والفتاة كلاهما على وجود الجنس الآخر، وتعلَّما وتربيَّا على طريقة التعامل المثلى معه وفق الضوابط التي حدَّدها شرعنا الحنيف.
كما أنَّنا نجد من جرَّاء تلك التربية الخاطئة متناقضاتٍ عجيبةً يرتكبها كلُّ من الشابِّ والفتاة الملتزمَيْن دون أن يشعرا، فنجد مثلًا الأخت الملتزمة تعامل كلَّ أصناف البشر، من خدمٍ وبائعين وسائقين وعمَّال، وتحدِّثهم وتكلِّمهم وتشتري وتبيع، بل ربَّما جعلت البائع يفقد أعصابه من كثرة فصالها له، ثمَّ عندما تقابل أخًا ملتزمًا في الطريق أو في الجامعة أو في العمل، تضطَّرب وترتبك، وتُعرِض بجانبها، وينقطع صوتها!!! ولا أفهم تبريرًا لطريقة التعامل هذه!.
لابدَّ أن نقرِّر في نفوسنا وفي نفوس إخواننا وأخواتنا وأبنائنا وبناتنا أنَّ الإسلام هو دين الوسط في كلِّ الأمور، وأنَّ أحكامه وتقديراته ليست ولا ينبغي أن تكون ردود أفعالٍ للغير، فلا ينبغي أن يدعونا الانحلال الزائد عن الحدّ، والاختلاط غير المنضبط، إلى الانعزاليَّة المفرطة، والتجاهل التامِّ لوجود الجنس الآخر.
وسأورد في نهاية الاستشارة عددًا من الروابط الخاصَّة بالموضوع.
أختي الكريمة،
إنَّ الميل العاطفيَّ نحو الجنس الآخر أو ما يُطلَق عليه"الحبّ"، هو ترجمةٌ وتعبيرٌ عن الفطرة التي وضعها الله عزَّ وجلَّ في نفوس بني البشر جميعهم، مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وطالحهم، والإسلام لا ينكر هذه المشاعر ولا يجرِّمها ولا يكبتها، ولكنَّه ينظِّمها ويوجِّهها توجيهًا عفيفًا طاهرا، يحفظ طهارة القلوب والأرواح والأجساد والأنساب.
كانت هذه مقدِّمة، ونبني عليها أنَّه إذا لم يتعدَّ الأمر مع صاحبتك مرحلة الشعور وتحرُّك القلب، فلا إثم على صاحبتك إلا من الأسباب التي قد تكون أدَّت بها إلى ذلك، من نظرةٍ محرَّمة، أو حديثٍ غير منضبط، أو غير ذلك، أمَّا إن تجاوز الأمر إلى مقدِّماتٍ للفواحش الكلُّ يعلمها، فالأمر يختلف تماما، ويترتَّب عليه أشياء أخرى، وحسب قولك أحسب أنَّها لم تصل لهذا إن شاء الله تعالى، فالمرء لا يملك قلبه، ولكنَّه يملك فعله، وهذا بالضبط ما فعله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه حين كان يعدل بينهنَّ في الفعل ويعتذر عن العدل القلبيِّ لأنَّه لا يملكه، وقال صلى الله عليه وسلم معتذرًا لربِّه تعالى:"اللهمَّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"رواه أبو داود والترمذيُّ والحاكم بسندٍ صحيح، وقال أبو داود: يعني القلب.
وبناءً على ما سبق ففي حالة صاحبتك لا شيء عليها في القلب، ما لم يتحوَّل ذلك لفعلٍ أو مقدِّمات فعل، أو أيِّ تصرُّفٍ ينساق وراء القلب، فهنا يكون الحساب.
وقبل أن نتحدَّث عمَّا يجب أن تفعليه معها لتخرجي بها من هذه الأزمة، إيَّاك أن تعنِّفيها أو تشعريها بأنَّها ارتكبت إثمًا عظيمًا ما كان ينبغي لها أن تقع فيه، وهي الملتزمة، فالهجوم على هذه العاطفة وإنكارها على صاحبها يجعله يزداد تمسُّكًا بها، وتضعف قدرته على مراجعة نفسه، والسير في طريق التخلُّص منها.