الصفحة 1715 من 3812

ويبقى جانبٌ مضيءٌ يجب أن تسترعي انتباهها إليه بعد أن ينعم الله عليها بالنسيان والخروج من هذه الأزمة، وهو الفوائد والعِبَر التي لم تكن لتأخذها إذا لم تمرَّ بهذه التجربة، ومنها لجوءها لله عزَّ وجلّ، وعِلمها أنَّها دائمًا في حاجة إليه سبحانه وتعالى، وأنَّ النفس البشريَّة ضعيفةٌ متقلِّبة، ومن الفوائد الكبرى من هذه التجربة أنَّها كشفت لها عن فهمٍ دعويٍّ لم تكن لتلتفت إليه، إذ هي ربَّما كانت قبل ذلك تستحقر العصاة، وتستنكر أن تقع إحدى زميلاتها أو أخواتها في العشق أو غيره، وتسخر منها، فجعلتها هذه التجربة ترحم العصاة وتنظر إليهم نظرةً أخرى، وتعطف على أخطائهم، وتأخذ بأيديهم، وتعلم أنَّ النفس بين هذا وذاك لا تهدأ، وأنَّ كلَّ نفسٍ فيها الخير حتى وإن خالف ظاهرها ذلك.

أختي الكريمة،

أعانك الله ووفَّقك وتقبَّل منك، ونذكِّرك مرَّةً أخرى باستحضار نيَّتك، واحتساب الأجر عند الله عزَّ وجلّ.

روشتة لعلاج الكسل الدعوي

السلام عليكم أنا أسكن في بلد ريفي، وأعمل في الدعوة إلى الله أنا وبعض الإخوة، ولكن نعاني من كسل بعضنا وعدم تفانيه في الدعوة. أيضا نحن لا نجيد مهارات دعوة الآخرين، مع العلم أن عددنا 4 فقط.

أنا أرى أن المشكلة أننا لا نجيد عرض ما عندنا من الخير، ونفتقد لمنهج أو جدول عمل يجمعنا.

وجزيتم خيرا.

…السؤال

زاد المسير …الموضوع

الدكتور محمد محمود منصور…المستشار

……الحل …

…الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبعد..

شكر الله لكم، وجزاكم خيرا كثيرا على حبكم لإسلامكم وحرصكم عليه وعملكم به وله.

أخي الحبيب..

للنشاط الدعوى أسبابه وللكسل أسبابه..

فأما أسباب النشاط عموما فأهمها:

1-قوة الإرادة: فهي تعين على اقتحام أي عمل حتى ولو كان صعبا، كما يتضح ضمنا من قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد إذا نام؛ بكل عقدة يضرب عليك ليلا طويلا، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت العقد؛ فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" (أخرجه مسلم وغيره) ..

قال الإمام النووي في"شرح صحيح مسلم"في هذا الحديث:"لسروره بما وفقه الله الكريم له من الطاعة، ووعده به من ثوابه، مع ما يُبارَك له في نفسه وتصرفه في كل أموره، مع ما زال عنه من عقد الشيطان وتثبيطه".

2-الاهتمام بالشعائر: فهي تشحن القلب بشحنات إيمانية تدفع وُتنشِّط الجسد لحسن العمل وقوته.. قال الإمام ابن القيم في"زاد المعاد":"الصلاة فيها من حفظ صحة البدن، ومن حفظ صحة الإيمان وسعادة الدنيا والآخرة، ومن أنشط شيء للبدن والروح"، وُيقاس على الصلاة كل شعيرة.

3-بعض العمل: كالخفيف من أعمال البر، التي تدرب تدريجيا على حب العمل الدعوي.

4-كثرة الذكر: قال الإمام ابن عبد البر في كتابه"التمهيد"في شرح الحديث السابق:"في الحديث دليل على أن ذكر الله يطرد الشيطان... ويحتمل أن يكون كذلك سائر أعمال البر".

5-الشعور بالإنجاز: فهو يشجع ويُنشِّط على مزيد من الإنجاز من أجل الاستمتاع بمزيد من السعادة التي أحستها النفس به، كما يُفهم ضمنا من الحديث أيضا.

6-وجود الحافز: فوجود هدف دنيوي وهو السعادة والعزة فيها، وهدف أخروي وهو أعلى الدرجات في الجنات يدفع ويُحِّفز لكثرة العمل وجودته وجدية الالتزام به.. كما كان حال وحياة الصحابة الكرام؛ فقد كان القرآن الكريم والرسول -صلى الله عليه وسلم- يعدهم بالسعادة في الداريْن لو عملوا لذلك.. فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:"بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في النشاط والكسل... وعلى أن ننصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قدم علينا يثرب بما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة" (جزء من حديث أخرجه أحمد وغيره) .

7-التجمُّع: فكلٌّ يعين بعضه بعضا بجهد، بكلمة، بموقف.. فيتحقق النشاط، كما حدث عند حفر الخندق؛ فقد جاء في صحيح البخاري:"باب: الرَجَز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق"، قال الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه"فتح الباري":"الرجز من بحور الشعر.. وجرت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد النشاط ويبعث الهمم".

8-الشورى والحوار: فهي تزيد الخبرات، وتزيد الثقة في التصرفات، وبالتالي تزيد النشاطات.. وهذا هو ما يُستفاد من قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38) .

9-التفاؤل والاستبشار: فانتظار جزاء الخير غالبا ما يؤدي إلى مزيد من عمل الخير حتى يزداد الخير المُنْتَظَر!!.. فعن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه قال: أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوما طيب النفس يُرَى في وجهه الِبشْر، قالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس يُرَى في وجهك البشر، قال:"أجل، أتاني آت من ربي -عز وجل- فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وردَّ عليه مثلها" (أخرجه أحمد بسند جيد) .

10-الترويح الحلال: فهو يقطع الملل والكسل، ويدفع لمزيد من النشاط وبذل الجهد.. فقد روت السيرة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يدخل أحيانا بساتين أبي طلحة رضي الله عنه ويستظل بظلها.. قال الإمام ابن حجر:"الراحة والتنزه يكون مستحبا يترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة وتنشيطها للطاعة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت