فهرس الكتاب
وكل دائرة من هذه الدوائر لها أمور خاصة بها، ولا ينبغي إهمال أيا منها، فلا يجوز للمسلم أن يهتم بالآخرين ويترك نفسه، ولا يصح أن يهتم بنفسه وبالآخرين وينسى بيته وأهله، بل عليه أن يوزّع جهده بين الدوائر الثلاث، مع الأخذ في الاعتبار أن الدائرة الأولى التي ينبغي عليه أن يشتد اهتمامه بها هي نفسه، فعلى أساس اهتمامه بها يكون نجاحه في الدوائر الأخرى، فصنبور الماء لن يعطينا الماء إلا إذا كان الخزان ممتلئا، فلا بد من ملء قلوبنا وعقولنا بالزاد الصحيح.
-والمقترح لدائرة النفس وجود ثوابت يومية لا يحيد عنها المسلم.. من أوراد الصلوات والذكر وقراءة القرآن والقراءة في الكتب المفيدة النافعة، وغير ذلك من وسائل زيادة الإيمان..
لكن لا بد أولا أن نحرر معنى الإيمان، فالإيمان ليس قواعد وحقائق توضع في العقل، بل هو معانٍ تستقر في القلب وتشكل جزءًا أصيلا منه، ولأن القلب هو مجموع المشاعر داخل الإنسان، فالإيمان إذن محله المشاعر، وزيادة الإيمان معناها زيادة تجاوب المشاعر وتأثرها.
معنى ذلك أن وسائل زيادة الإيمان لا بد أن تهتم بتجاوب المشاعر وتأثره، وإن لم يحدث ذلك كانت الزيادة الإيمانية المصاحبة لأداء الطاعة محدودة، فتجد المرء كثير الصلاة كثير الذكر ولكن لم يظهر أثر ذلك على السلوك، لأنه لم يحدث تجاوب قلبي ومشاعري مع هذه الطاعات، ومن ثم لم يزد الإيمان.
فعلينا أن نجتهد في حضور القلب مع الطاعات، وألا يكون همنا هو كثرة طاعات الجوارح بقدر ما يكون في تجاوب المشاعر.
وأهم وسيلة يمكنها أن تذكر بحقائق الإيمان وتخاطب العقل وتؤثر في المشاعر هي القرآن، فلو استطعنا أن نخصص ولو ساعة واحدة كل يوم نقرأ فيها القرآن، ويكون هدفنا من هذه القراءة هو التأثر وليس التدبر فقط، فبالتأكيد سنجد خيرًا عظيمًا، ونلمس الزيادة المستمرة للإيمان، سواء كان ذلك في قلوبنا أو على جوارحنا.. وهذا دوره مع نفسه.
-وعليه كذلك أن يكون له جهد في بيته سواء مع زوجته وأولاده أو مع أبويه وإخوته.. فهم أولى بالدعوة من غيرهم، وإن كانت أساليب دعوتهم قد تختلف بعض الشيء عن دعوة الآخرين، باعتبار أنهم يرونه على حقيقته دون تجمّل، وهذا يحتاج منه إلى اجتهاد في تربية نفسه حتى يكون قدوة صالحة في بيته، وأن يجتهد في دراسته حتى يرضي أبويه ويجعلهم يتقبلون منه الدعوة.
-ومع دعوة الأهل عليه كذلك أن يهتم بالآخرين من جيران وأقارب وزملاء، ومجالات وأساليب الدعوة كثيرة، وأهمها: الإحسان إليهم، وتقديم نموذج صحيح للمسلم الذي يمثل الدعوة.
* وبالنسبة لسؤالك حول الكتب التي يجب على الداعي أن يقرأها، فأهم كتاب عليه أن يتشبع منه تشبعًا تامًا وأن يعطيه أفضل وقته هو كتاب الله عز وجل.. وهذا ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، كان يوجههم دومًا إلى الانشغال بالقرآن، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم رأى عمر بن الخطاب يقرأ في ورقة من التوراة فغضب وقال له: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني) ..
أما لماذا القرآن، فإضافة لما قلته سابقا عن مكانته في زيادة الإيمان، أنه الكتاب الذي ارتضاه الله لنا ليكون منهج حياتنا، ولأنه الكتاب الذي يؤسس القاعدة الإيمانية والعقيدة الصحيحة في القلب، والذي يرسم خريطة الإسلام في الذهن بنسبها الصحيحة، والذي يذكّر دومًا بثوابت وأهداف كل مسلم، لذلك لا نعجب من قول ابن عباس:"لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في القرآن".
وأؤكد أنه ليس معنى اهتمامنا بالقرآن أن ينصب هذا الاهتمام على لفظه وشكله فقط، وعلى تحصيل الأجر والثواب المترتب على قراءته فقط، بل لا بد أن نقرأه بفهم مثلما نقرأ أي كتاب آخر، بل أكثر وأفضل، وأن نجتهد في التأثر بآياته، وليس فقط الوصول إلى نهاية الجزء أو السورة.
هذا هو المنهج الذي تربى عليه الصحابة، وأصبحوا من خلاله الجيل الفريد الذي تفخر به البشرية حتى الآن، فإن أردنا أن نكون مثلهم فلنحذُ حذوهم.
ومع القرآن هناك بعض الكتب التي من المناسب أن يقرأها الشاب المسلم لكي يتعرف على دينه ويعبد ربه بطريقة صحيحة، فعلى سبيل المثال عليه أن يقرأ في الفقه الإسلامي من خلال الكتب الميسرة كـ"فقه السنة"لسيد سابق، وكذلك أن يتعرف على السيرة النبوية"الرحيق المختوم للمباركفوري - سيرة ابن هشام"، وعليه أن يتعرف على حال أمته وعلى الزمان الذي يعيش فيه، ويفيد في بعض الكتاب مثل:"هذا الدين- المستقبل لهذا الدين- ماذا خسر العالم من انحطاط المسلمين"، وعليه كذلك أن يتعرف على العلوم الشرعية بطريقة ميسرة.
* وبالنسبة للسؤال الثاني، فلا يجب على الداعية القراءة في كافة المذاهب والآراء، وإلا ما اشتغل أحد بالدعوة، بل عليه أن يبلغ ما عنده (بلغوا عني ولو آية) رواه البخاري، ومع ذلك فكلما كانت ثقافة الداعية واسعة كان تمكنه من الدعوة والرد على الآخرين واستيعابهم أفضل من غيره، وحبذا لو قمت بتخصيص كتاب كل شهر تقرؤه بطريقة الاستذكار لكي تزيد حصيلتك العلمية، مع الأخذ في الاعتبار عدم مناقشة أصحاب المذاهب والآراء قبل أن تتمكن من دراسة مذاهبهم، وإلا شوشوا عليك أفكارك وكان الضرر أكثر من النفع.
"أضيق بمعلماتي".. في موسى والخضر العبرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الإخوة والأخوات الدعاة في"إسلام أون لاين"، بارك الله فيكم..