فهرس الكتاب
وتحتاج إلى صحبة وتجمع كما يقول تعالى على لسان نبيه موسى عليه السلام: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} (القصص: 34) ..
وإلى إرادة وصبر كما يقول تعالى: {فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} (الحج: 67) ..
وإلى تمسك بالأخلاق واستقامة كما يقول تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (الشورى: 15) ..
وإلى تدرج وتيسير وأمل وتفاؤل كما يقول -صلى الله عليه وسلم-:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا" (أخرجه البخاري ومسلم) ..
وإلى استمرار وحرص كما يقول تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} (نوح: 5) .
وإلى حكمة كما يقول تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام: 108) ..
وإلى حوار كما يقول تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) ..
وإلى شرح وتوضيح كما يقول تعالى: {قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} (غافر: 41) ..
وإلى تشجيع وترغيب أكثر من الترهيب كما يقول تعالى على لسان نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} (نوح: 5) ...
ونحو ذلك من الاحتياجات.
أخي الحبيب..
كذلك النفس تحتاج إلى كل ما سبق تماما؛ فهي مدعو من المدعوين، تحتاج إلى تواصل مع ربها كما يقول تعالى: { وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ} (النور: 21) ..
وإلى تعلم للأخلاق الحسنة وتطبيقها كما يقول تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} (البقرة: 129) ..
وإلى إرادة لتقاوم الشيطان وتهزمه كما يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} (الشمس: 9) ، ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} (النور: 21) ..
وإلى شعائر تشحنها لتقوم هي بدفع الجسد نحو كل تصرف حسن كما يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} (البقرة: 153) ..
وإلى إنفاق من المال ومن كل شيء كوقت وجهد وفكر وغيره؛ حيث الإنفاق عموما سبب للتزكية كما يفهم من قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (التوبة: 103) ..
وإلى صحبة صالحة وأمل وتفاؤل وتشجيع وترغيب أكثر من الترهيب وقبله.. وشرح وتوضيح لها.. وحكمة وحوار معها.. وتعقل وتفكر.. وحرص واستمرار.. وتدرج وتيسير... يقول الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه"فتح الباري"عند شرحه لحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن:"يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا" (أخرجه البخاري) :"وكذلك الإنسان في تدريب نفسه على العمل إذا صدقت إرادته لا يشدد عليها؛ بل يأخذها بالتدرج والتيسير، حتى إذا أنست بحالة ودامت عليها نقلها إلى حال آخر، وزاد عليها أكثر من الأول، حتى يصل إلى قدْر احتمالها، ولا يكلفها بما تعجز عنه"..
فالخلاصة إذن أنَّ الذي يدعو يفعل من الوسائل الدعوية لغيره ما هي نفسها وسائل تربوية لنفسه.. فهو يدعو ويتربى.
أخي الحبيب، الذنب لا يمنع الدعوة..
قال الإمام القرطبي في هذا المعنى عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} (آل عمران: 21) :"ليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة، خلافا للمبتدعة؛ حيث تقول: لا يغيره إلا عدل، وهذا ساقط؛ لأن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء في الآية عاما في جميع الناس -أي يريد أن يقول: وهل يأمر الله تعالى بشيء لا يمكن إلا لقليل من الناس فقط أن يقدروا عليه ويفعلوه، ثم يقول في الآية: إن الأمر بالقسط على من يستطيع من الناس جميعا؟!!- فإن تشبثوا بقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} وقوله: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} ، ونحوه.. قيل لهم: إنما وقع الذم هاهنا على ارتكاب ما نُهيَ عنه لا على نهيه عن المنكر"..
وقال الإمام ابن كثير مؤكدا هذا أيضا ومضيفا عليه عند تفسيره لقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} (البقرة: 44) :"نبههم على خطئهم في حق أنفسهم؛ حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له.. فكلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر ... وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح أنَّ العالِم يأمر بالمعروف وإنْ لم يفعله وينهى عن المنكر وإنْ ارتكبه".