الصفحة 1722 من 3812

وذلك لأنه من البديهي ألا ينهى الله تعالى عن نشر الخير! وإنما الذي يُعقل أن ينهى عن معصية ناشره.. فلينشره إذن وليمتنع في أثناء ذلك عن معصيته مع الوقت! إذ ليس بعاقل من يُدخِل الناس جميعا الجنة وينسى نفسه أن يُدخِلها معهم!!

ثم لو كان المطلوب من الآية الكريمة أن ينتظر الداعي حتى لا يكون فيه شيء من خطأ؛ فقد ينتظر طويلا، حتى الموت، ولا يدعو أحدا! لأنَّ كل بشر مُعرَّض لأن يخطئ، والله يعلم عن خلقه هذا ويقبله منهم ويعذرهم عليه ويثيبهم على تصحيحه؛ لأنه خلقهم هكذا لينتفعوا من أخطائهم في مستقبلهم؛ فتقل تدريجيا وتنعدم؛ فيسعدون في الداريْن، ولا يعد هذا أبدا بأي حال كذبا عليه سبحانه أو على النفس والآخرين أو انعدام حياء منه أو منهم.. فمن استسلم لخطئه ولم يعالجه سريعا كما هو مطلوب منه وأعاقه عن دعوته كان مخطئا بحق وبكل تأكيد..

يقول سعيد بن جبير -رضي الله عنه- في ذلك:"لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء؛ ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر" (أخرجه مالك) .. وقال الإمام مالك تعليقا على القول:"صدق.. من ذا الذي ليس فيه شيء؟!".

بل إن الدعوة أخي الحبيب تزيح الذنب وآثاره..

ألم يقل الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود: 114) ؟!

وألم يقل الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"وأتبع السيئة الحسنة تمحها" (جزء من حديث أخرجه الترمذي) ؟!.

وهل هناك حسنة أفضل وأعظم من الدعوة؟! كما أكد ذلك سبحانه في قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33) .

فعليك أن تستفيد من الذنب إصرارا على عدم العودة له بعدما ذقت مراراته وتعاساته، وإصرارا على زيادة دعوتك لغيرك حتى لا تعود أنت إليه أو يصير هو له لتسعدوا جميعا.

أخي الحبيب، تربية النفس سهلة.. والدعوة تزيدها سهولة!

لأن النفس أصلا عبارة عن مجموعة من الصفات الحسنة وضعها خالقها في جسد الإنسان من حبه له لتؤهله وتحركه لحسن الانتفاع بالكون حوله والسعادة فيه؛ كالحب والصدق والأمانة والتعاون والسعي وما شابه ذلك، وليس فيها من شر، كما يقول تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} (الشمس: 7) .. قال الإمام ابن كثير في تفسيرها:"خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة"، ويقول أيضا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين: 4) ، وقال فيها الإمام القرطبي:"عبَّر بعض العلماء بقوله: إن الله خلق آدم على صورته يعني على صفاته.."، وهل من صفات الرحمن الشر؟!.

وكما يؤكده أيضا قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المعروف:"إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (أخرجه مالك) ، والذي يُفهم منه أن الأخلاق الطيبة موجودة أصلا من الخالق الودود الكريم!! وما مهمة الرسل والدعاة إلا إظهارها وإنماؤها!! وعلاج ما قد يطرأ عليها من شر ويَدخلها كاستثناء من البيئة حولها إذا استجاب العقل الذي يحركها باختياره لوساوس الشيطان، كما يؤكد ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-:"كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (أخرجه البخاري) ، وهو مصداق لقوله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} (العنكبوت: 38) ..

إذن فما معنى التربية إلا التنمية.. أي تنمية ما هو موجود بالفعل بدوام استخدامه، وحسن توجيهه، وإزالة ما قد يشوبه من سوء، والعودة به إلى الأصل بمقاومة ومنع اختراق وساوس الشيطان، الذي خلقه سبحانه ليستفيد منه الإنسان! بألا يستجيب لشره فتقوي إرادته أكثر، فينطلق في الحياة يستكشفها أكثر؛ فيسعد فيها أكثر!! ثم يوم القيامة يسعد أكثر وأكثر إذا كان قد صاحَب كل أعماله الحياتية بنوايا لآخرته.

إننا الآن في عصرنا -أخي الحبيب- نعتبر التربية صعبة!! نعتبر الصدق والأمانة والوفاء والعدل والشورى وغيرها من أخلاق الإسلام الحسنة صعبة! رغم أن الله تعالى يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (القمر: 22) !! وما ذلك إلا لأن الوسط حولنا أكثره بعيد عنها.. لكن إن أصبح قريبا منها.. أصبح صادقا أمينا وفيا عادلا شوريا... إلخ.. لكان تذكُّر وتمسُّك كل فرد بها سهلا ولا شك، وكانت التربية سهلة بكل بداهة، ولن يعود المجتمع لهذه الصفات إلا بالدعوة!.

إذن فالدعوة ُتسِّهل التربية بطريق غير مباشر.. ثم كيف لا تكون التربية سهلة والله تعالى معنا يؤيدنا كما يقول: {وهو معكم} ، والرسول -صلى الله عليه وسلم- معنا بوصاياه يرشدنا كما يقول:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ" (جزء من حديث أخرجه الحاكم وغيره) ، والفطرة والعقل معنا لتوجيهنا وتصحيحنا، والدعوة معنا تضمن سلامتنا؟!.. إنه بذلك سيكون كيد الشيطان ضعيفا بكل تأكيد ودون احتياج لقسَم!.

أخي الحبيب..

تمهَّل كثيرا قبل أن تأخذ قرارك؛ فهو ليس بقرار وإنما هو فِرار!..

إن القرار يعني أن يكون إيجابيا بينما الفرار يكون سلبيا..

إن القرار يحقق مصلحة بينما الفرار يحقق مفسدة..

إن القرار يعني الإقدام بينما الفرار يعني التراجع..

إنه يعني النصر بينما الآخر يعني الهزيمة..

إن ماء النهر إذا تحرَّك تجدَّد بينما إذا ركن تعفن... فكن فيما بقي لك من عمر من أصحاب القرار لا الفرار؛ لتثاب لا لتأثم.

وفقك الله وأعانك، ولا تنسنا من صالح دعائك.

تأصيل الطالب تربويا .. (مشاركة)

مشاركة على استشارة:"تأصيل الطالب تربويا.. إضاءات على الطريق".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت