فهرس الكتاب
أسأل الله العظيم أن يثبتك، ويفتح عليك ويبارك لك في نفسك ودعوتك، وإني لأحيّي فيك هذا الحرص والهمة العالية، رغم أنك ما زلت برعما دعويا صغيرا ينتشر شذاه في ميادين الدعوة المباركة.. فإني ألاحظ غيرتك على أخوات لك في الله، سائلة ربي أن يفتح عليك، ويزيدك علما وفهما وقولا وعملا مخلصا.
ابنتي الفاضلة..
دعينا نبدأ بقول الله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} (آل عمران: 110) . والله سبحانه وتعالى سخرك لأن تكوني داعية للخير، تنهين عن المنكر فيما ترينه منكرا، وتأمرين بالمعروف.
استشارتك أختي تنقسم إلى بندين:
الأول: إنكار الحجاب الملون، ودعوة صديقتك لأن تلتزم بحجاب اللون الواحد؛ كون الحجاب الملون برأيك لافتا للنظر وحراما.
الثاني: وسائل دعوية تعينك في دعوتك لها.
وحول البند الأول نقول:
اعلمي أختي بداية أن تغيير النفوس ونقلها من ميولها ومألوفاتها أمر ليس سهلا؛ فلا بد من إدراك حقيقة مهمة؛ وهي أن المراعاة والتدرج لازمان للتغيير وحصول الاستجابة، وكما قيل:"إذا أردتَ أن تُطاع فأمر بما يُستطاع".
كلنا يعي أن الإسلام فرض الحجاب على المرأة ليكون لها سياجا من العفة والحشمة والوقار، بعيدا عن مَواطن الفتنة وإظهار جماله.
فالحجاب عفة وتقوى.. قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} (الأعراف: 26) .
فالحجاب تقوى، والتقوى لباس، وقد قال الشاعر:
إذا المرءُ لم يلبسْ ثيابًا من التقى *** تجرَّد عُريانًا وإن كان كاسيًا
وخير خصال المرء طاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيًا
بنيتي..
دعيني أولا أوضح لك ضوابط الحجاب الشرعي الذي يخرج المرأة من دائرة الإثم، كما حدده العلماء:
1-أن يكون ساترا لا يظهر إلا الوجه والكفين.
2-أن يكون واسعا فضفاضا لا يبرز، ولا يحدد أجزاء الجسم.
3-أن يكون سميكا، لا يصف ما تحته، ولا يشف.
4-ألا يكون من الملابس الخاصة بالرجال.
5-ألا يكون زينة في نفسه.
6- (أن لا يكون لباس شهرة) يستدعي النظر؛ كونه ينافي شرعية الحجاب.
فمن شروط الحجاب الإسلامي ألا يكون فتنة وزينة لقوله تعالى {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} (النور: 31) .
فالإسلام لم يشترط لونا محددا للحجاب؛ أي أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونًا بلون غير البياض أو السواد، كما يتوهم بعض النساء الملتزمات؛ وذلك لأمرين:
الأول: قول المصطفى صلوات ربي عليه"طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه" (رواه أبو داود والنسائي، وهو حديث صحيح) .
الثاني: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك.
وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في"المصنف":
عن إبراهيم وهو النخعي أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فَيراهُنَّ في الُّلحف الحمر.
وعن ابن أبي مليكة قال:"رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر".
وعن القاسم وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة.
وفي رواية عن القاسم أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر، وهي مُحْرِمَة.
وأنصحك بالاطلاع على الفتاوى التالية الخاصة بالحجاب:
-أوصاف اللباس الشرعي للمرأة
-الحجاب بين الستر والزينة
-كيف لا أكون متبرجة ؟
-صفة حجاب المرأة
وحول البند الثاني من استشارتك:
بنيتي.. نحن في عصر انحدرت به الأخلاق، وكثرت الفتن، وعمّ الفساد، وأفلت زمام الشهوات، وكأننا نعيش في غربة عن الإسلام، ونحن نرى بناتنا -هداهن الله، وأنار قلوبهن بإشراقة الإيمان- يركضن خلف صيحات الموضة والأزياء زاعمات أنهن محجبات!!
إن القلب لينفطر ونحن نرى بعض الأخوات قد قلبن موازين الشريعة بميزان الهوى، وأطلقن العنان لكل موجة عاتية تجرهنّ إلى التخلي عن مبادئ الحجاب؛ فاستبدلن به الحجاب العاري!.
هنا بنيتي الحبيبة واجبك تجاه دعوتك ورسالتك الربانية أن تحملي في حنايا نفسك سلاحا ذا حدين لمواجهة المنكر، والاستمرارية في السير قدما، وكوني قدوة لغيرك، وأعطني يدك، وهيا بنا نبحر معا بما يعينك:
1-الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة: فإذا كانت الدعوة بالحكمة تخاطب العقول فتقنعها؛ فإن الدعوة بالموعظة الحسنة تخاطب القلوب والعواطف فتثيرها وتحركها، وكون المرأة بفطرتها لها عاطفة جياشة فابدئي بهذه البذرة الطيبة، وحاولي أن تسقيها من رحيق دعوتك، وتتوددي إلى أخواتك بالكلمة المؤثرة، وتعمقي بكلام الله إلى سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: 159) ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بالموعظة في الأيَّام كراهة السآمة علينا" (متَّفقٌ عليه) ؛ فكلَّما تباعدت الموعظة وقَصُرت كانت أكثر أثرا.
2-الدعوة إلى الله حب: حاولي أن تحتوي أخواتك المدعوات بالحب والحنان والعطف وشدة الحرص عليهن؛ فأنجح الأساليب في الدعوة هو أسلوب الرحمة والإشفاق عليهن، والرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المعلِّم الأوَّل في هذا المجال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 128) .