فهرس الكتاب
قال الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه"جامع العلوم والحِكَم"في هذا:"قال الفضيل: أصل الزهد الرضا عن الله... وقيل: يستوي عند العبد حامده وذامّه"..
وقال ابن السماك:"يستوي عنده إقبالها وإدبارها وزيادتها ونقصانها"..
وقال الزهري:"الزاهد من لم يغلب الحرام صبره ولم يشغل الحلال شكره"..
وقال سفيان بن عيينة:"هو من إذا أُنعم عليه شكر وإذا ابُتلي صبر"..
وقال الثوري:"هو قصر الأمل.. ليس بأكل الغليظ ولا بلبسه".
أما"الزهد في الآخرة".. فما سمعنا من قبل عن مسلم يسعى إليه! بل ما علمناه عنه هو العكس! إنه الطمع والجشع والإسراف والإفراط في طلبها إلى جانب الدنيا!.
يقول تعالى عن هذا: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الأنبياء: 90) .. قال الإمام الطبري في تفسيرها:"كانوا يعبدوننا رغبا ورهبا، وعني بالدعاء في هذا الموضع العبادة... ويعني بقوله: رغبا أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله. ومعنى رهبا أي رهبة منهم من عذابه وعقابه بتركهم عبادته أو معصيته.. وقوله: خاشعين أي متواضعين لا يستكبرون".
وقال الإمام ابن القيم في كتابه"مدارج السالكين":"من رجا شيئا طلبه ورغب فيه.. والمقصود أن الراجي طالب.. فالرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق"..
فهُم يطمعون في الآخرة، ويحققون ذلك بفعل الخيرات والمسارعة فيها، ويعبدون الله؛ أي يطيعونه باتباع إسلامه لمنفعتهم في الدنيا؛ حيث حب الله وعونه وتوفيقه ورزقه، وحيث العلاقات الجيدة مع الآخرين والسعادة بذلك، وأيضا لمنفعتهم في الآخرة طمعا في الثواب العظيم، وخوفا إن هم أساءوا من فقدانه أو عقوبته، كما يقول الإمام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى":"العابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه هو راجٍ راغب راهب في حصول مراده ويرهب من فواته".
فرهبتهم ليست من العقوبة فقط؛ لأنهم يجتهدون في ألا يخطئوا أولا، ثم إذا ما أخطئوا عادوا سريعا للصواب، وإنما من فوات النعيم والثواب.. ثم القرآن مليء بالآيات التي ُترغِّب في الجنة والحرص الشديد عليها، والتشوق لها والطمع فيها؛ فلمن هي إذن؟! ولماذا ذكرها سبحانه إذن إذا كان يريد منا نبذها وتجاهلها؟!
أخي الحبيب..
إنَّ الطمع في الآخرة أمر فطري!!.. ثم يقويه وينميه بعد ذلك الاجتهاد في العلم والعمل، والذي بدوره يمنع من الفتور عن الاستمرار في عمل الخير.
إنَّ طلب الآخرة أقرب أن يكون فرضا من الفروض! يثاب فاعله وينتفع به، ويأثم تاركه ويفقد نفعه.
يقول تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}
(القصص: 77) .. قال الإمام القرطبي في تفسيره:"أي اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة وهي الجنة؛ فإنَّ من حق المؤمن أن يصرف الدنيا بما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي".
أخي الحبيب..
إنَّ الترفع عن طلب رجاء الآخرة هو سوء فهم أو جهل أو كبرياء كاذب مصادم للفطرة، متجاهل لكرم الله، ومخالف لما يحبه الله ورسوله، ومُعرّض لفقدان حبه؛ لأن الكريم يحب أن يُسأل ويُعِطي أعظم مما سُِئل به، وعلى قدْره لا قدر السائل أو السؤال، ويكره تعطيل كرمه وعدم سؤاله..
قال الإمام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى":"ومن قال: لم أعبدك شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك.. هذا قصور منهم عن فهم الجنة.. وقد كان أفضل الخلق -صلى الله عليه وسلم- يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من النار.. ومن قال: إنَّ الحي يستوي عنده جميع المقدورات فهو أحد رجلين: إما أنه لا يتصور ما يقول بل هو جاهل، وإما أنه مكابر معاند".
أخي الحبيب..
لقد خلق الله تعالى الإنسان لينتفع بالأرض في حياته، ثم لينتفع في آخرته.
يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56) .. قال الإمام ابن كثير في تفسيره:"وقال ابن جريج: إلا ليعرفون".
فهو خلقهم لكي يتعرفوا عليه وعلى خيرات كونه، ويستكشفونها، وينتفعون بها، ويستمتعون بالحلال منها؛ فيسعدون في حياتهم قبل أن يسعد المحسنون منهم سعادة دائمة في آخرتهم.
فإذا ما انتفع المسلم بالحياة، وأسعد نفسه ومن حوله بها، واستبشر بانتظار ثواب الآخرة؛ فقد أحسن تطبيق قوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً} (البقرة: 201) .. قال الإمام ابن حجر:"قال عياض: إنما كان -صلى الله عليه وسلم- يكثر الدعاء بهذه الآية لجمعها من أمر الدنيا والآخرة، والحسنة هاهنا النعمة، فسأل الله نعيم الدنيا والآخرة".
أخي الحبيب..
الأصل أنه لا ثواب لعمل إلا على حسب نيته.. كما يقول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المعروف:"إنما الأعمال بالنيات"، وكما يقول:"لا عمل لمن لا نية له.." (جزء من حديث أخرجه البيهقي) ؛ لأن النية تُفرِّق بين عمل الخير والشر؛ إذ قد يكون ظاهر العمل واحدا لكنه بالنية يؤدي إلى صلاح أو إلى فساد.. كما أنَّ تجديد النوايا وتنويعها وتجميعها لكل عمل يجعل المسلم دائم التواصل مع ربه، وإسلامه منتعش النفس، ويصبح قوي الهمة، مستمرا فيها، متزايدا لا متراجعا تحت أي ظرف أو حال..
بينما إذا كانت هناك نية عامة -أو حتى لا توجد نية عند بعض العلماء ما دام لا يوجد نية شر- بأنَّ كل عمل هو حب في الله وطلب لحبه وعونه في الدنيا ثم ثوابه في الآخرة؛ فهذا أيضا مقبول، لكن يُخشَى على صاحب هذه الصورة من النية نسيانها مع الوقت، أو تغيرها مع تغير النفسية، أو فقدانها مع اختلاف الظروف البيئية والمعيشية وغيرها..