فهرس الكتاب
إذن.. فما الذي يدفع الإنسان لاتبّاع الشر والحرام؟!
إن الإجابة عن هذا السؤال تعين الداعي على انتشال مَن يدعوه منه بفعل عكس هذه الدوافع.. ولكنه فعلا سؤال محيِّر! ولذا يستنكر الله تعالى ذلك موجها إيانا لاستنكاره ولاجتنابه في قوله: {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} (الانفطار: 6) .. قال الإمام القرطبي:"قال الحسن: غرَّه شيطانه الخبيث، وقيل حمقه وجهله..".
* فمن الأسباب تغييب العقل وسوء التفكير والجهل والحمق وعدم محاولة الفهم، كما في قوله تعالى عن مثل هؤلاء: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ" (يس: 60-62) .. قال الإمام ابن كثير:"أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم؟"ويقول: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (الملك: 10) .. قال الإمام السيوطي في تفسير الجلالين:"لو كنا نسمع: أي سماع تفهُّم، أو نعقل: أي عقل تفكر، ما كنا في أصحاب السعير.."، وقال الإمام ابن القيم في كتابه"مدارج السالكين":"لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم لعلموا حُسْن ما جاءت به الرسل وقبح مخالفتهم"."
* ومن الأسباب تصديق الشيطان في تزيينه الكاذب والانخداع به رغم كذبه وخداعه، كما يقول تعالى عن ذلك: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} (الأعراف: 21-22) .. ومن الأسباب النسيان وضعف الإرادة، كما نبهنا الله تعالى لذلك في قوله: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (طه: 115) ..
* ومن الأسباب إدمان المعاصي؛ بحيث لم يعد يستطيع الاستغناء عنها، كما يعبر عن ذلك قول الله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} (البقرة: 93) ، قال الإمام القرطبي عنها:"هذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم.."؛ فهم من كثرة معاصيهم أصبحت جزءا من حياتهم يظنون موتهم لو تركوها!..
* ومن الأسباب تأثير الصحبة السيئة والاستسلام لها دون عقل، كما يقول تعالي مثلا: {بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا} (فاطر: 40) .. قال الإمام القرطبي:"أي بأباطيل تغرّ".
* ومن الأسباب تأجيل التوبة، بسبب ضعف إرادة البدء، وتوهم أن الموت ما زال بعيدا، ولدينا الوقت الكافي للعودة! كما يقول تعالى عن مثل هؤلاء: {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ} (الحديد: 14) ..
فالخلاصة إذن أن الإنسان يتبع الشر باختياره، ولن يتركه إلا باختياره أيضا، كما يوضح ذلك الله تعالى في قوله على لسان الشيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُم} (إبراهيم: 22) .. قال الإمام القرطبي"ليس للشيطان قدرة على سلب الإنسان الاختيار.. ولو كان له هذه القدرة لما بقي لأحد من بني آدم قوة في طاعته سبحانه"، وقال تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} (العنكبوت: 38) .. قال الإمام القرطبي:"أي قد عرفوا الحق من الباطل بظهور البراهين".
أخي الحبيب..
إنَّ أهم مهمة للداعي هي أن يجعل الإسلام جذابا للمدعو، أن يجعل الخير عنده أمتع من الشر.. ومفتاح ذلك أن يجعل الخير في حياته كلها.
فالحياة جزء منها في البيت، وآخر في العمل، وثالث عند العلاقات الاجتماعية مع الجيران والأقارب والزملاء وغيرهم، ورابع في أماكن الترويح واللعب، وخامس في العلم، وسادس في السفر والتنقل وهكذا...
والإسلام في كل هذا؛ فهو للحياة كلها، وهو يسعدها وينيرها كلها، كما يقول تعالى عنه: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (المائدة: 15) ، ويقول: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} (الأنعام: 122) . ويقول: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89) .
فالهدى والرحمة والبشرى للمسلمين هي السعادة لهم في الدنيا والآخرة.. وهذه هي المهمة الأساسية للداعي؛ أن يجعل حياة المدعو كلها جذابة وسعيدة.. في بيته وعمله وإنتاجه وعلمه وعلاقاته وترويحه ولعبه ومسجده وأثناء أداء شعائره، ونحو ذلك..
فإن نجح في هذا فقد نجح في جذبه من الشر إلى الخير، ومن الحرام إلى الحلال، ومن التعب إلى الراحة، ومن الشقاوة إلى الهناءة.. إلى الإسلام.
فاجعل أخي الحبيب حياة صديقك كلها سعيدة، وأثناء الحياة سيتعلم منك كيف يمارس الإسلام فيها لتصحيحها وإسعادها إذا كنت قدوة له في ذلك.