فهرس الكتاب
فمن المؤسف أنه قد انطبعت في الأذهان صورة عن الالتزام، أصبح الخروج عليها يُنقص من التزام المرء وتدينه، ومرد الأمر يرجع إلى أننا توارثنا هذه الصورة، وتعمق إيماننا بها لقلة البضاعة في العلم الشرعي أحيانا، وللموروث الثقافي والاجتماعي أحيانا أخرى، ولا ضير أن يختار كل إنسان لنفسه الطريقة التي يحلو له أن يعيش بها، شريطة ألا يخرج عن إطار الشرع، ولكن المشكلة أن نختزل الإسلام أو الالتزام -إذا صح التعبير- في هذه الصورة، وأن نعد الخروج عليها انحلالا وتسيبا، وسأسوق طرفا من الأمثلة التي عايشتها بين شرائح مختلفة في أوساط الملتزمين -وهي كثيرة- لتتضح الفكرة التي أريد أن أقف عندها.
فمن الأمثلة على ذلك: تحدثت إليَّ إحدى الأخوات بأنها ملتزمة باللباس الشرعي، ولكنها وجدت نكيرا عليها من أخواتها بسبب أن غطاء الرأس ليس بالصورة التي ألفها الأخوات (الخمار بصورته المعهودة) ، واعتبروا أن هذا لا يليق بأخت ملتزمة، فضلا عن أن تكون في ركاب العاملات للإسلام، وأن هذا سيجرئ غيرها على التبرج من باب أولى!!.
مثال آخر: أحد الأصدقاء أعرفه جيدا وهو من شباب الصحوة، ومن طلاب العلم الشرعي، تقدم لخطبة أخت لم يكن يعرفها من قبل، والظروف كانت تحول دون أن يتم اللقاء بينهما في حضور الأهل ليتعرف كل من الطرفين على ما يحمله على الإقدام أو الإحجام؛ فكانت وسيلة التعارف هي الهاتف، ولكن هذا الأخ فوجئ بأخ يعيش معه في مسكنه ينكر عليه هذا السلوك، واعتبر أن الحديث بينهما مخالفة شرعية، وأن هذا السلوك لا يليق بداعية إلى الله!.
ولم يكتف الأخ بنصحه؛ بل صعَّد الأمر فإذا بأخ له يكبره سنا ومقاما يتصل بصديقي هذا، وحين ذهب إليه فوجئ أنه يتكلم معه في أمر حديثه مع هذه الأخت التي عزم على خطبتها، وأصبح الإنكار على صديقي هذا سرا وعلانية (!!) وصديقي هذا لم يعبأ بالأمر؛ لأنه يقف على الحكم الشرعي، ولم يجنِ من وراء ذلك إلا جرحا غائرا، وما خلفه ذلك في نفسه من أثر بالغ السوء!!.
والأمثلة التي عايشتها كثيرة، وأنا لا أضيق ذرعا ولا أنكر على من يفعل ذلك إذا كان دافعه إلى موقفه ذلك الجِبَِلَّة والطبع أو تربيته وثقافته؛ فلا أجد في صدري أدنى غضاضة من هذا، ولكن الذي يحزن ويؤلم هو أن نصبغ الصبغة الشرعية على هذه الفعال، وليس هذا فحسب بل نعتبر ما عداها خروجا عن الشرع!.
فالفكرة التي أؤكد عليها هي أنه ليس كل داعية مؤهلا للوصول إلى الحكم الشرعي فيما يعرض له من حوادث وقضايا ومواقف مختلفة، ومن ثم عليه قبل أن يتخذ موقفا مسبقا أو يسارع بإصدار حكم ما.. عليه أن يتروى لمراجعة أهل الذكر ليعرف حكم الله فيما بين يديه ومن ثم ينزل عليه، فإذا كان الأمر في دائرة المباح فلا حرج أن يختط كلٌ لنفسه ما يرى فيه صلاحه وصلاح من حوله ممن ولي أمرهم.
ولكن ثمة قيمة حاكمة ونحن نتعامل مع الآخرين يجب مراعاتها وعدم الخروج عليها، وهذه القيمة هي قاعدة هامة من القواعد التي قررها الفقهاء، وبنوا عليها كثيرا من الأحكام، وهي قاعدة"لا إنكار في المختلف فيه، إنما الإنكار في المجمع عليه".
قال الشيخ محي الدين النووي في منهاجه:"أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، وليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نص القرآن أو السنة أو الإجماع".
ولا شك أن مجتمع القدوة بحق الذي لا يختلف عليه اثنان هو صدر الدولة الإسلامية في عهدها الأول؛ حيث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، ولا شك أننا بحاجة إلى مدارسة السيرة مرارا وتكرارا لنتعلم كيف كان يحيا هذا الجيل بالإسلام.
وأسوق موقفين كانا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علنا نجد فيهما عبرة:
الموقف الأول: قصة سلمان الفارسي مع زوجة أبي الدرداء، والقصة عند البخاري:"آخَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا."
فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: صَدَقَ سَلْمَانُ".."