فهرس الكتاب
والشاهد الذي أريد أن أقف عنده هو حوار سلمان مع أم الدرداء -رضي الله عنهما- فقد رآها على هيئة لا تليق بامرأة متزوجة، فأفصحت له عن أدق الخصوصيات التي تكون بين الأزواج بطريقة مهذبة وعبارات ليس فيها ما يخدش الحياء، وفهم سلمان الرسالة، ثم كان ما كان، بل تم تصعيد الأمر حتى بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأقر سلمان على ما فعله مع أبي الدرداء، فلم ينكر رسول الله ما فعله سلمان، ولم يقل له:"كيف وأنت من صحابتي تتحدث في مثل هذه الأمور الخاصة؟"، ولم ينكر أبو الدرداء على زوجته حديثها مع صاحبه، فما دام المرء لم يخرج عن سياج الأخلاق والفضيلة التي خطها لنا الإسلام.. فليس هناك ما يدعو للخوف أو القلق..
وتخيل معي -أخي الكريم- لو أن مثل هذا الحوار حدث في أوساطنا اليوم، لا أتخيل ماذا يمكن أن يحدث، ولكن الذي أنا على يقين منه هو أننا لسنا بأغير على الحرمات، ولا أحرص على الدين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الموقف الثاني: قصة ضيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ؛ حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ"لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلا مَاءٌ"، فَقَالَ: مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لا إِلا قُوت صِبْيَانِي. قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئْ السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ."
قَالَ: فَقَعَدُوا، وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ"رواه مسلم."
والشاهد الذي أريد أن أقف عنده هو جلوس زوجة هذا الصحابي مع هذا الضيف على مائدة الطعام، الذي لم تربطها به قرابة أو مصاهرة؛ بل لم تكن تعرفه من قبل، ومع هذا لم يمنعها دينها من جلوسها معه على مائدة واحدة.
وعلى النقيض من هذا تماما نجد أن مثل هذه الصورة قد انطبعت في أذهان البعض أنها ليست من الإسلام؛ فكثيرا ما أسمع في أحاديث الدعاة:"نريد أفراحنا إسلامية"، وخصائص الحفل الإسلامي هو أن يخصص مكان للرجال ومكان للنساء.. فهل اختلاط النساء بالرجال على الموائد في المناسبات المختلفة مع التزام الجميع بما أمر الله به بدعة منكرة، ويتنافى مع أخلاق الإسلام؟!!
وبعد هذه التقدمة أرجع إلى سؤالك فأقول:
كثيرا ما يتكرر السؤال عن حكم اختلاط النساء بالرجال في الأفراح والحفلات، وما حكم اختلاط الإخوة والأخوات في الجلسات الإدارية وفي اللقاءات العامة ونحوها من الأسئلة؟.
ولكن العجيب أنه لم يسألنا أحد عن حكم خروج زوجته إلى السوق، وحكم تعاملها بالبيع والشراء مع ما يقتضيه هذا من حديث مع الباعة؟ ولا أعلم لماذا؟!.
فهل أصبح الاختلاط في الأسواق ووسائل المواصلات أكثر أمانا من جلوس الأخوات في محافل الأخوة، أم أنها ثقافة تربينا عليها، ونريد أن نفرضها واقعا في حياتنا ليس هذا فحسب بل ونجعلها دينا؟!.
ومع هذا أقول: اختلاط الأخوات مع الإخوة في المحافل العامة والخاصة أمر جائز ولا حرج في ذلك، المهم ألا نتكلف الأمر ونسعى إليه، فإذا وجدت حاجة تدعو إلى تواجد الأخوات مع الأخوة في أي محفل -دون تكلف- فلا حرج في ذلك، والواجب هو مراعاة أخلاق الإسلام وآدابه، ومن ذلك:
1-التزام الأخوات باللباس الشرعي؛ فيجب:
أ أن يكون اللباس ساترا لجميع البدن عدا الوجه والكفين.
ب- أن يكون واسعا فضفاضا لا يبرز، ولا يحدد أجزاء الجسم.
ج- أن يكون سميكا، لا يصف ما تحته، ولا يشف.
د- ألا يكون من الملابس الخاصة بالرجال.
هـ- ألا يكون زينة في نفسه حتى لا يبطل المقصود به؛ فإن الحجاب شرع لوأد النظرة المشبوبة، فإن أظهرت المرأة زينتها سواء أكانت الزينة في اختيار لون للحجاب يلفت أنظار الرجال، ويسترعي فضولهم، أو في إظهار زينة الحلي، أو في اتخاذ عطور لها رائحة؛ فإن ذلك يجعل المرأة متبرجة حتى لو كانت لا تظهر سوى الوجه والكفين.
2-أن نغض من أبصارنا، فلا نطلق الأبصار لغير حاجة.
3-وأن يكون الحديث جادا أو كما سماه الله تعالى {وقلن قولا معروفا} ؛ فلا خضوع في القول ولا خنوع.
4-تجنب كل ألوان الإثارة سواء بالقول أو الفعل.
5-أن يكون اللقاء في حدود ما تفرضه الحاجة، وما يوجبه العمل المشترك دون إسراف أو توسع يخرج المرأة عن فطرتها الأنثوية، أو يعرضها للقيل والقال، أو يعطلها عن واجبها المقدس في رعاية البيت وتربية الأجيال.
فإذا دعت حاجة لمثل هذه اللقاءات دون أن نتكلفها أو نسعى إليها فلا حرج في ذلك، ولكن إذا لم يكن هناك ما يدعو لتواجد الأخوات مع الأخوة فليس هناك ما يدعو لتكلف مثل هذه المجالس؛ فالأمر منوط بالحاجة.