الصفحة 1773 من 3812

صدقيني لا أريد أن"أتفلسف"كثيرا لكنك تستشيرين، والمستشار مؤتمن، ومع أن زواجك بالتأكيد هو قدر من الله، فإنك أنت من اختار هذا الزوج أو وافق عليه؛ فالسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اهتممت في أثناء الخطبة وكتب الكتاب بدرجة ثقافته وكمية إبداعه ولم تهتمي بدينه مثلا؟ لو كنتِ واضحة مع نفسك من البداية لعرفت ما تريدين ومع من ترتاحين، وبما أنك متدينة وتريدين أن يكون زوجك على نفس درجة التدين.. فلماذا لم تنقّبي عن خلة التدين فيه جيدا قبل أن ترتبطي به برباط الزواج المقدس؟.

أنا لا أقول لك هذا كي تعضي أناملك ندما، ولكن لأذكرك أنه اختيارك؛ فيجب ألا تتسرعي بالتركيز على هذه النقطة السلبية في شخصيته -رغم أن ترك الصلاة يعتبر كبيرة من الكبائر- ما دام يحمل كثيرا من النقاط الإيجابية في شخصيته وفي تعامله معك، واعلمي بشكل عام أن كل من يشكو من زوجته في خلق ما لا بد أنه يعادلها في خلق آخر، وكذلك كل من تشكو من نقصان زوجها تعادله في نقصان آخر.

بالطبع أنا لا أقلل من مشكلتك الأساسية مع زوجك وهي تهاونه بالصلاة، لكن لا يمكن أن تسحبيه لجانب الطائعين ما لم تشعري أنك لا تفضلينه بشيء حتى لو كنت تصلين وهو لا يصلي، وكلنا يتذكر حديث الرسول عليه الصلاة والسلام عن المرأة التي تقوم الليل وتصوم النهار ولكنها تؤذي جيرانها فقال:"هي في النار" (جزء من حديث رواه أحمد في مسنده) .

ولا ريب أن من يصلي خير ممن لا يصلي، لكن هذا بشكل عام، أما بشكل خاص فلا أحد منا يعرف من هو الأفضل؛ لأن العبرة بالنهايات، والأعمال بخواتيمها، وإذا لم تعتبري نفسك على قدم المساواة مع زوجك -في هذه الناحية على الأقل- فلن تستطيعي أن تنظري إلى مشكلتك معه من زاوية مختلفة أو بطريقة أخرى؛ أي بدون انفعال أو إظهار غضب أو غير ذلك مما يسهل له قراءته على وجهك، خاصة أنك تقولين بأنه ذكي. وبما أنك تسألين فإن من واجبي أن أبين لك أن هذه الأساليب لن تزيده إلا نفورا من الصلاة، وقد تجعله ينفر منك أنت أيضا، ولك أن تختاري بين أن تنفريه منك وهو على ما هو عليه من مواصفات رائعة كما تقولين، أو أن تقاربي الموضوع بأساليب أكثر إقناعا له.

إذا سألت عن هذه الأساليب فهي بالنسبة لأي داعية تجاه أي مدعو يجب أن تكون إظهار الحب الكامل للمدعو، وإغداق كل العطف، وتكريس قيمة الداعية في حياة المدعو بشكل غير مباشر، خاصة إذا كان الأمر بين زوجة وزوجها، وعندما يقدّر الزوج هذه المعاملة الحسنة المحبة العطوفة الآسرة فهو سيعمل على ألا يفقدها، وعندما تكونين متأكدة من أن حبك متمكن في قلبه، فعندها يمكنك فقط أن تستنتجي مدى أهميتك في حياته، فإذا كنت مهمة له فسيعمل على إرضائك بأي وسيلة، ولن يجيبك بأن الصلاة عمل بينه وبين ربه؛ بل سيكون أحرص منك على أدائها كي يرضيك أكثر.

هو يا أختي أسلوب أقرب للتعامل مع طفل، رغم أن زوجك رجل! وقد أوضحت لك أن البعد عن الله يجعل الإنسان ناقصا من ناحية النضج الروحي، لكن احذري أن يتلوّن شعورك بهذا النقص فيه، فيتحول إلى شعور بأفضليتك عليه؛ فهذا لا يصح مع أي إنسان؛ فكيف إذا كان زوجك الذي ارتضيت أن تكوني أنت وإياه نفسا واحدة؟.

لا تنسي أن الدعوة إلى الله لا تكون بتحبيب المدعو بشخص الداعية فقط؛ بل بتحبيبه بالله عن طريق تذكير المدعو بآلائه سبحانه ونعمه وفضله، ويكون بالنقر الخفيف على نوافذ القلب لتتفتح براعم الحب لله، وليس بالتذكير المصحوب بالوعيد دائما، ولا أحد منا يعرف متى يقدّر الله للإنسان طريق الهداية؛ فعلينا ألا نيأس من رحمة الله، وكلما أحببنا الشخص المدعو كنا حريصين أكثر على عدم تنفيره منا، والأسلوب الذي تعتمده الزوجة يجب ألا يخرج بحال عن التلطف والتودد.

أما الأمور التي تذكرينها عن اهتمامه بالتلفزيون أو الجو الغربي أو ما شابه فهذا يأتي في مرتبة ثانية بعد انتظامه على الصلاة؛ فالله سبحانه يقول: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت: 45، والإيمان درجات؛ فساعدي زوجك أن يرقى عليها درجة درجة، دون أن ترغميه على الدخول في جوك الدعوي، ودون أن يقحمك في جوه الغربي.

فلا مانع من احتفاظ كل منكما ببعض الاختلاف في الاهتمامات؛ فهذا الاختلاف يجب ألا يفسد طقوس المحبة بينكما، وإن كان مصطلح الجو الغربي الذي اخترته كوصف لما يحدث في منزلك هو مصطلح ملتبس، فإذا كان يقتصر على نشرات الأخبار أو متابعة بعض البرامج الغربية الهادفة أو مشاهدة بعض الأفلام الأجنبية ذات الجانب الإنساني؛ فهو برأيي شيء يستحق أن تشاركيه فيه.

لا يغيب عن بالي اختلافكما في بعض الأمور التي أشرت إليها كالجدية وتحمُّل المسئولية وأهمية الوقت، لكن لا يغيب أيضا عني مغزى أنك تعلمتها في دورات النشاطات الدعوية، وأنا رغم حبي لهذه الصفات خاصة أنها من صميم تكويني، لكن بمعرفتي بمجتمعك أصارحك باعتقادي أن أسلوب التعليم في بلدك وكذلك أسلوب الدعوة ليسا بعيدين عن الأدلجة، والأدلجة هي تبني الإسلام كفكر فقط مع تغييب النواحي الجمالية فيه؛ لأن ديننا أروع بكثير من الأشكال التي يقدمها بعضهم على أنها هي الإسلام؛ لأن هذا الدين العظيم يشمل كل نواحي الحياة بما فيها اللهو المباح، وفي الحديث الشريف أن من اللهو المحمود مداعبة الزوج لزوجته، والمداعبة يقصد بها المزاح، وخلق الجو المرح في البيت، ومسايرة الزوج أو الزوجة لشريك حياته أو حياتها، وقضاء وقت ممتع في المنزل وخارجه، لا أن تكون الحياة الزوجية: 1+1= 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت