الصفحة 1775 من 3812

ومع ذلك فإن الله قد أمرنا بالدعوة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتقريب الناس إلى الله فيما سماه أهل العلم"هداية الدلالة"؛ وهي تعريف الناس بالله، ودلُّهم على طريقه، بينما التوفيق في ذلك يكون من الله وحده.

ومن هنا أخي هيثم؛ فعليك بذل الجهد مع صديقك، والحمد لله فالصداقة ستسهل هذا الأمر، وأنت تدعو الله أن يجري الخير على يديك في دَلِّه على طريق الخير والاستقامة، وهذا هو الميدان الأول: الدعاء له

والميدان الثاني: أن تجتهد في إصلاح نفسك؛ فهذا يعود بالخير عليك ابتداءً، ثم اعلم أن الله يجعل للصالحين نورا وقبولا يسهل الله لهم بهما حسن التواصل مع الناس والتأثير فيهم.. وعليه فهذا الميدان عظيم النفع، ومزدوج التأثير على النفس وعلى الغير؛ فما تستقيم عليه ستجد من اليسير دعوة الناس إليه.

الميدان الثالث: أشعر بما تشعر به من إحساسك بوجود حاجز يحول دون إرشادك له إلى الخير بسبب الماضي المشترك بينكما قبل التزامك.. ولك الحق في هذا الشعور، ولعله يكون دافعا لك لمزيد من الحرص معه، وتجنب إشعاره أنك الآن أفضل منه، ولا توبخه على أنه ما زال بعيدا عن الالتزام؛ فاحذر أن ترتدي له ثوب المعلم أو الأستاذ بالتوجيه المباشر أو إملاء الأوامر؛ لأن ذاكرته ستستدعي على الفور صورتك معه في السلوك المشترك قبل الالتزام..

وهذا يحتاج مزيدا من الوقت الذي تتكون فيه ذاكرة مشتركة بينكما بعد الالتزام، تطفو هي على السطح، بينما تتوارى الذاكرة السابقة في الأعماق.

الميدان الرابع: تعلم أخي هيثم أن الانتقال من فكرة إلى فكرة، أو من حالة إلى حالة، أو من ضلال إلى هدى أو ما شابه.. فإن صاحب الفكرة أو الداعية يواجَه بقدر من"المقاومة للفكرة"، أو ما يسمى بالتشبث بما هو عليه؛ ركونا لعدم التغيير؛ ولذلك أقترح أن يكون بينكما طرف ثالث من الدعاة أو الصالحين (لم يسبق لصديقك معرفته) تتواصلان معه في بيته أو مسجده؛ فينصحكما معا؛ فيشعر صديقك بأنكما معا على درب واحد بلا تمايز؛ فتتلقيان نصحا مشتركا، ويكون دورك الهام في إنشاء حالة من التنافس بينكما على الالتزام بما نصحتما به، وذلك بسؤاله مثلا:"الحمد لله، لقد قرأت السورة التي أوصانا بها الشيخ.. فهل قرأتها؟".. أو"هيا بنا نقرأها معا".."ما رأيك في نصيحة الشيخ لنا بالصلاة في المسجد".."هل لنا أن نصلي معا في هذا المسجد استجابة لنصح الشيخ؟"... تاركا له الإجابة والاختيار بين المساجد.. أو أن يكلفكما الشيخ بقراءة معنى حديث أو تفسير آية، ثم تطلب أنت منه أن يساعدك هو في تبيان معنى الحديث أو الآية.. فيشعر بأن له دورا، وأنكما تقفان على أرضية واحدة..

واعلم أن نجاح أي فكرة ليست في شرحها وبيانها للناس؛ بل في تبني الناس لها وكأنهم أصحاب الفكرة.. فبإشعارك له أن التزامك أنت هو مسئوليته أيضا سيجعل التواصل بينكما رائعا ومثمرا إن شاء الله..

وأرجو أن تبلغني قريبا بما تم بينكما لنتواصل معا.. سائلا الله لك دوام التوفيق..

المسلم والآخر.. تساؤلات وشبهات

هناك جدل يأخذ حيزا لا بأس به في أوساط الجاليات المسلمة في البلاد الغربية، أو هاجس يدور في نفس كل من ينتقل من البيئة الشرقية الإسلامية إلى الغربية النصرانية بعد فترة من الزمن عاشها في الأولى، وإذا لم يحسن المسلم الفهم الصحيح للدين الإسلامي الذي تربى عليه ربما يقع في شكوك لها بداية بلا نهاية، وسواء أبدى الشخص المسلم ذلك وناقش به أو أخفاه في نفسه حتى لا يُتهم بأنه مشكك في دينه، يبقى واقعا يجب أن يحسن التعامل معه، وألا يكون المسلم مسلما اسما فقط يعيش في ريب سيؤدي به في النهاية إلى إرهاق نفسي فظيع، قد لا يجعله يقوم بأمور حياته بهدوء واطمئنان وإتقان.

من أخطر المشاكل التي تواجه فكر المسلم في مثل هذه البلاد نشوء الفرد المسلم في بلد إسلامي وفي أحضان المساجد، والسماع وباستمرار إلى الخطب والمواعظ التي لا تكاد تخلو من دعاء ومناشدة الله أن يمحق الكافرين، ويتم بالطبع الاسترشاد بآيات كثيرة من القرآن الكريم مثل قوله تعالى: {فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (البقرة 89) ، {وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (البقرة 264) ، {فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} (آل عمران: 32) ...

وغيرها الكثير الكثير من الآيات الكريمة. فنلاحظ أن هذه الآيات وغيرها فيها تهديد ووعيد رهيب واتهام صريح من الله عز وجل"للكافرين" (لعنة، عدم هدايتهم، عدم محبتهم، أعداء للمسلمين، جامِعهم جميعا في جهنم مع المنافقين، حرمانهم من الجنة، ظالمين، عذاب شديد، وقود النار، شراب من حميم...) .

المشكلة الجدلية تكمن في الإجابة على السؤال: لمن هذا التهديد والوعيد؟؟ هل هو لكل من كان غير مسلم؟؟ إذا كانت الإجابة"نعم"فلماذا يُلعن وُيبشر بالنار والعذاب الشديد مَن لا يعرف من الإسلام إلا الاسم، يسمع بأن هناك دينا اسمه الإسلام، ومنهم من يعتقد بأن الإنجيل نفسه هو كتاب المسلمين المقدس، ومنهم من لا يسمع أصلا بالإسلام كما في بعض الأحياء النائية التي إلى الآن لم يصلها الكهرباء؛ حيث إذا ذكرت كلمة"مسلم"عندهم يعتقدون أنها اسم لدولة!!

لماذا اللعنة وشراب من حميم لمن أبواه نصراه أو هوداه أو مجساه؟ لماذا يُحرم من الجنة ما دام لم يسمع بالإسلام إذا كان قائما على أصول دينه الصحيحة التي يقرؤها في الإنجيل (لا يعتدي، لا يسرق، لا يقتل، لا يكذب، لا يزني، لا يشري الخمر، لا يفتن) ، أو مقصر فيها كلها أو بعضها؟؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت