كان أول عمل قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن وطئت قدماه الشريفتان دار هجرته المدينة هو بناء مسجده الذي أسس على التقوى من أول يوم، فكان المسجد هو الركيزة الأولى واللبنة الأساس في تكوين المجتمع المسلم، حيث لم يكن قاصرًا على إقامة الصلوات والدروس العلمية، بل سائر نشاط المسلمين من جهادي، وسياسي، واجتماعي، ونحوه كان منطلقه من المسجد.
وظل هذا الحال مستمرًا في عهد الخلافة الراشدة وما بعدها، حتى غشيت المسلمين عصور الظلام والجهل، فاقتصرت رسالة المسجد على أداء الصلاة، وفي أحسن الأحوال إقامة الدروس، بينما نجد النواة الأولى للجامعات الإسلامية العريقة في عواصم العالم ومدنه الكبرى مثل المدينة، ومكة، وبغداد، ودمشق، والقاهرة، والقيروان وغيرها كانت في المسجد.
لقد حث رسول الإسلام وحض على بناء المساجد، ووعد مشيديها بالثواب الجزيل، والأجر العظيم لمكانتها في الإسلام، وحاجة المسلمين إليها في سائر البلاد والأزمان فقال - صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجدًا ولو كمَفحَص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة) .
هذا الأجر العظيم، والثواب الجزيل مشروط بشرطين كسائر الطاعات، هما:
1.أن يبتغي بذلك وجه الله، كما جاء في إحدى روايات الحديث: (يبتغي به وجه الله) .
2.أن يبنيه بمال حلال طيب، لأن الله - سبحانه وتعالى- طيب لا يقبل إلا طيبًا، لهذا قال ابن الجوزي - رحمه الله:"من كتب اسمه على المسجد بناه فهو بعيد عن الإخلاص"، قال الزركشي - رحمه الله: (خصَّ القطاة بالذكر دون غيرها لأن العرب تضرب به المثل في الصدق، ففيه رمز على المحافظة على الإخلاص في بنائه، والصدق في إنشائه) .
زخرفة المساجد وتزيينها:
لقد أمر الشارع ببناء المساجد وبتشييدها وتعميرها، ولكنه نهى عن المبالغة في زخرفتها فعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد ) ، وروي عنه أنه قال:"إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدبار عليكم"، وعن ابن عباس - رضي الله عنه: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، ثم لا تعمرونها إلا قليلًا ) .
وكتب عمر - رضي الله عنه - لأحد عماله:"ابن لهم ما يكنهم الحر والبرد، وإياك أن تحمِّر وتصفِّر فتفتن الناس".
قال القرطبي - رحمه الله: (إذا قلنا إن المراد بنيانها فهل تزين وتنقش؟ اختلف في ذلك، فكرهه قوم، وأباحه آخرون، ثم ذكر بعض الآثار السابقة التي تنهى عن الزخرفة، وقال: احتج من أباح ذلك بأن فيه تعظيم المساجد، والله - تعالى - أمر بتعظيمها في قوله:(( في بيوت أذن الله أن ترفع ) )يعني تعظم، وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبي بالساج وحسنه، وقال أبو حنيفة: لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نقش مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبالغ في عمارته وتزيينه وذلك في زمن ولايته، وذكِرَ أن الوليد بن عبد الملك أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل خراج الشام ثلاث مرات، وروي أن سليمان بن داود - عليهما السلام - بنى مسجد بيت المقدس وبالغ في تزيينه).
قلت: الآثار التي تنهى عن المبالغة عن زخرفة المساجد وتزيينها أحق بالاتباع، والمهم كما قال عمر: أن يكون المسجد واسعًا يقي الناس الحر والبرد والمطر، ولا مانع من الزخرفة والتزين غير المبالغ فيهما من باب تعظيم شعائر الله، وإكرام بيوته في الأرض.
من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها عند بناء المسجد ما يأتي:
1.أن تكون المحلة أو الحارة أو القرية أو الحي في حاجة إلى مسجد، حيث نلاحظ كثرة المساجد في بعض الأحياء، وندرتها أو عدمها في أماكن أخرى هي في أمس الحاجة إليها.
2.الحرص أن يكون للمسجد وقف ثابت بقدر المستطاع، يستفاد من ريعه في صيانته، وتجهيز ما يحتاجه من فرش ونحوه.
3.الاهتمام بدورات المياه والمواضئ، والعناية بنظافتها وتهيئتها.
4.توفير الماء، سواء كان بحفر بئر أو عمل خزانات ونحو ذلك.
5.اختيار إمام كفء مقتدر، وأن لا تكون الإمامة خاضعة للأهواء، أو أن تورث.
6.اختيار مؤذن وعمال لحراسة المسجد ونظافته ممن يقدرون المسجد قدره.
7.تشجير المسجد.
8.تنظيفه وتجميره.
9.الاهتمام بتهوية المسجد وتكييفه إن أمكن ذلك.
أمور ينبغي أن تصان منها المساجد:
إنما بنيت المساجد لذكر الله، ولإقامة الصلاة، ولتعليم الناس أمور دينهم، ولهذا لابد أن تصان من بعض الأمور التي لا تليق ولا تناسب الأغراض التي بنيت المساجد من أجلها، سنشير في هذه العجالة إلى أهم تِلك الأمور، وهي:
1.لا يُقبَر في المسجد أحد، لا أمام القبلة، ولا في الجهات الأخرى، مهما كان الموصي بذلك فلا تنفذ وصيته، ولو كان الذي بناه، لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ، وقال: (إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد ) .
2.إنشاد الضوالِّ في المسجد.
3.أن يتخذ المسجد مكانًا للإعلانات عن الأفراح والأتراح.
4.الصخب ورفع الصوت في المسجد إلا في العلم، وقد كره مالك أن يرفع الصوت في المسجد ولو كان في حلقة علم.
5.تجنيبه الروائح الكريهة.
6.البيع والشراء ولو في رحاب المسجد، ولو عن طريق الجوالات.
7.دخول الكفار، حيث أصبحت المساجد الأثرية في بعض البلاد أماكن يرتادها السواح الكفار والنساء العاريات.
8.لا يشهر فيه سلاح.
9.لا يقام فيه حد من حدود الله - عز وجل -.
10.لا يتخذ مسكنًا دائمًا اللهم إلا لغريب أو محتاج، مع مراعاة الآداب المتعلقة به.