الصفحة 1895 من 3812

ومن الأدوية ما يعالج جلَّ الداء؛ وجميع الأدوية ذاتُ أعراضٍ جانبية مُعلنَةٍ منشورة، وتوجد مستحضرات تعالج أكثر من علَّةٍ في آنٍ واحد؛ وهذه التفصيلات مهمة لعمل المصلحين؛ فقد لا تصمد البرامج الإصلاحية أمام جميع جوانبِ المشكلة أو تعجز عن الإحاطة بدقائقها؛ كما يمكن استغلال أي منشطٍ للخير ليكون متعدد المنافع، ومن الواقعية أن نعترف بوجود بعض المتعلقات التي لا نرغبها في بعض النشاطات المفيدة غير أن الضرر اليسير يُعفى عنه مقابل النفع الكبير.

والصيدلية أكثرُ منطقيةً من بعض سفهاء الليبرالية فلا يوجد في الصيدلية دواءٌ للموت كما تمنى أحدهم في لقاء مسجل- ولا عقار للجنون أو السفاهة، ومن هذا المنهج نستفيد أن الإصلاح سيواجه قلوبًا ميتة أو عقولًا خالطها الجنون أو مروءاتٍ شانتها السفاهة والأسلم تجاوز كل هذه الاستثناءات وصولًا للأكثرية الحية العاقلة الحيية تمامًا كما تمنع بعض الحالات من أدويةٍ ما أو يتعذر استفادة أناس من علاجاتٍ يشهد الغالبية على نجاحها.

ومنافذ تناول الأدوية متعددةٌ في جسم الإنسان؛ ولبعض المنافذ أكثر من طريقة استخدام، وفي الصيدلية أدوية للكبار والأطفال وللرجال والنساء؛ والواجب على المصلحين تنويع البرامج وتكثير طرقها؛ كما ينبغي العناية بجميع شرائح المجتمع وإشراكها في الرسائل الموجهة حتى لا ينصرف الجهد إلى فئة واحدة فقط. وفي الصيدلية أركانٌ خاصة لأمراض معينة؛ وكل مشروع إصلاحي لا بد له من متفرغين لملفاته المهمة.

ولا تجامل الصيدلية غنيًا ولا كبيرًا ولا شريفًا ولا عالمًا فتعطيهم من الأدوية مثل ما يأخذه منها الفقير والصغير والوضيع والجاهل مع اختلاف في النوعية أو السعر الذي لا يغيرُ شيئًا من الأثر المشترك في الحالتين. والمصلحون رسالتهم واحدة غير أنَّ طريقة عرضها وتفاصيلها تختلف طبقًا لاختلاف المتلقي ومكانته العلمية أو الاجتماعية أو الرسمية أو العمرية؛ وفي هذا التنوع إنزال للناس قدر منازلهم وهو مطلب شرعي. كما أن الرسالة الإصلاحية يجب أن تكون"عامة"و"نخبوية".

وحاجة الناس للصيدلية لا تنقضي ولا تنقطع؛ وكذلك حاجة الناس للمصلحين من العلماء والأمراء والقضاة والدعاة والمحتسبين وأرباب المهن. وكما يوجد في الصيدلية مستحضرات كمالية للتجميل والتحسين وزيادة الرفاهية والتأنق؛ فحقيق بدعاة الحق والفضيلة ألا ينسوا في خضم جهادهم حاجات الناس الحياتية وهمومهم المشتركة ورغباتهم الطبيعية التي لا تصادم شرع الله العظيم. وكم في الشريعة المحمدية من توسعة ويسر ومباهج ومسرات.

وتختلفُ الأدوية في أثرها ومفعولها؛ فمنها ما هو سريع الأثر وفيها البطيء؛ وبعضها لا بد من تناوله زمنًا طويلًا قد يستغرق العمر كله ومنها ما يكفيه بضعة أيام؛ وبعض الأدوية تشتد الحاجة لها في موسم دون غيره؛ وبعضها يؤخذ يوميًا مرة أو مرتين ومنها ما يتناوله المريض كل شهر أو أكثر، ومنها ما يحقن في الوريد لتعجيل الأثر. ومن الحكمة أن تكون المفردات الإصلاحية كذلك، فبعض البلايا لا تحتمل فلا بد من التعامل الصارم السريع معها، ومن الظواهر ما هو متأصلٌ يصعب اجتثاثه في مدة قصيرة؛ والمواسم المباركة فرصةٌ للتعريف بالخير والدعوة إليه. وكما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخول أصحابه بالموعظة خشية السأم والملالة من المستمعين فكذلك يجب على مصلحينا حتى لا ترد عليهم نصائحهم، فبعض الأزمنة أو الأمكنة لا يصلح فيها ما يكون مناسبًا مع غيرها.

وتحتل غالب الصيدليات مكانًا بارزًا في كثير من الأمكنة والزوايا وتضع في مقدمتها لوحة كبيرة جذابة؛ وأدويتها مغلفة بطرق فنية بارعة وتصاميم رائعة إضافة إلى الألوان الزاهية والروائح العطرية والأسماء المختصرة لبعضها؛ ولذا فبروز الإصلاح في أكثر من جهة حتى يؤمه الناس أمر متحتم خاصةً مع كيد الأعداء وضراوتهم؛ والإبداع في الوسائل الإصلاحية لا مناص منه مع كثرة المنافسين، وربط الناس بالرسالة الإصلاحية المختصرة مهم ليحملوها أينما كانوا.

وبعض الأدوية داخلي لا فائدة منه إلا إذا تغلغل في جسم الإنسان وقليل منها أدوية خارجية، والمتعين على رعاة الإصلاح البدء بالداخل فهو الأهم؛ فإصلاح النفس وتصوراتها أولى من تغيير المظاهر، وتربية جيل الإصلاح لا بد منه قبل الانطلاق للخارج؛ والعناية بمشكلات المجتمعات الإسلامية ألزم من الخوض في شؤون العالم الخارجي؛ وإصلاح الجبهة الداخلية سيكون سدًا منيعًا في وجه هجمات الخارج:"وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا"الآية (120) من سورة آل عمران.

وكل تجديد وتزويق في الصيدلية لا يخرجها عن كونها مكانًا للعلاج والدواء؛ والعجب لا ينقضي من قوم لبسوا عباءة الإصلاح وبالغوا في التلطف والتميع حتى خرجوا عما زعموا إلى نقيضه. وجميع أدوية الصيدلية ركبت بناء على دساتير عالمية مجربة ومعتمدة، وعار على بعض أبناء المسلمين تبني مشاريع"إصلاحية"تخالف دستور أمتهم ومنهاجها المتمثل بالكتاب العزيز والسنة المشرفة. وكمالم يجعل الله شفاء الأمة فيما حرم عليها فلا مكان للمسكرات ومشتقات الخنزير في أدوية المسلمين فكذلك لامكان لما حرم الله في الإصلاح والتغيير.

ولا تعتذر الصيدلية ولا تتراجع عن مشروعها العلاجي إذا أخطأ فرد منها أو مجموعة بنكسة صحية أو تسمم أو حتى وفاة؛ وعجيب ما نفعله نحن المسلمون من الاعتذار المبالغ فيه مع كل خطأ يرتكبه مسلم أو يقترفه غلاة هنا أو هناك، وأعجب منه أننا لا نسمع مثل هذه الاعتذارات الحارة من كبار الطوائف والملل والأديان المحرفة تجاه جرائم معتدليها وغلاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت