الصفحة 1896 من 3812

وفي الصيدلية مقاييس وموازين لا تجامل وتعلن الحقيقة بلا جمجمة، وواجب على كل حركة إصلاحية أن تجعل لها مؤشرات ومقاييس لتزن عملها وتعرف مستوى التقدم في نتائجها وتبصر مواطن الخلل حتى لا تقع في زلة إثر أخرى، كما يجب عليها الوضوح وتحري الدقة في الخطاب العام.

ويتنوع منشأ بعض الأدوية ما بين نباتي وحيواني وكيماوي؛ وتختلف أسعارها حسب القدرة الشرائية في البلدان. وبعضها لا بد من حفظه بعيدًا عن الضوء، وبين بعض الأدوية تضاد واختلاف كما يوجد تعارض بين بعض الأدوية والأغذية. وفي هذا رسالة واضحة للمصلحين بضرورة تنويع الأبعاد في المشاريع الإصلاحية إضافة إلى الدقة في حساب ثمن الإصلاح المختلف بين بلد وآخر مع التأكيد على ضرورة التريث في إبراز المشروع للأضواء حتى ينضج ويقوى. وفي قضية التضاد تحذير من تنازع المصلحين المنطلقين من مبدأ واحد وإبراز لحقيقة مرة ملخصها أن الخير قد يعارضه أخيار- أو هكذا يبدون- قبل غيرهم.

وفي الصيدلية أدوية خاصة لاستثارة الرغبة الجنسية ولا يوجد فيها أدوية مخصصة لعكس الأثر، وأدوية منع الحمل والإجهاض رخيصة الثمن في مقابل جنون أسعار أدوية ارتفاع الضغط والسكر؛ وما أشبه هذه الحالة بمشاريع المفسدين التي تتكئُ على معاهدات الأمم المتحدة وتتخذ من إشاعة الجنس والفاحشة وإفساد المراة وتخريبها وإبرازها لسراق الأعراض سبيلًا لخطلها المسمى بهتانًا بالإصلاح والتقدم والحرية. وفي الصيدلية أدوية مخدرة ومنومة تشبه المشاريع الهزيلة التي لا تصلح أمر الدنيا وتفسد دين الناس. وفي مقابل الصيدلية تطرح مصانع الخمور نفسها كمنافس إصلاحي يزيل الألم ويضفي البهجة ويقوي بعض الأعضاء! غير أنها تخفي إفساد العقل وتخريب أكثر أجزاء الجسم الداخلية إضافة لإغضاب الرب جل جلاله، وتذكرني هذه المصانع بحال الأدعياء من منافقي الأمة الذين يحاولون مجاراة البَررَة في احتسابهم الإصلاحي.

وللأدوية تاريخ صلاحية؛ وكل برنامج له زمن تنتهي صلاحيته أو يقل أثره بعده، ولبعض الأدوية عدة أجيال؛ وهكذا المشروع الإصلاحي الناضج المواكب لتطور المجتمع وتعقد مشكلاته. وفي الصيدلية لقاحات وأمصال للعلاج والوقاية؛ والإصلاح يضع يده على الحاضر لكنه يرمق بعينه البصيرة المستقبل حتى لا يفاجأ بما لم يكن في الحسبان.

ويُذكر في التاريخ أن المأمون دعا إلى عقد امتحان أمانة الصيادلة؛ بينما منحهم المعتصم شهادات وإجازات بعد اختبارهم وعرفت الحسبة على الصيادلة في تلك العهود. وهذا لعمر الله مهم في حق الصيادلة غير أنه أكثر أهمية في حق دعاة الإصلاح، فمتى كان البعثي والعصراني وكل مرجف بغيضٍ مصلحًا؟ وإن الاحتساب قائم على كل من دعا إلى الإصلاح تأييدًا وتقويمًا. وتسمى ورقة الأدوية في الشام: الدستور، وفي المغرب: النسخة، وفي العراق: الوصفة، وللصيدلي عدة أسماء مثل: صيدلي-صيدلاني-صندلي-صندلاني-صيدني؛ ومن هنا فلا يهم كثيرًا تسمية المشروع الإصلاحي مادام مضمونه الحق والخير، ويجب أن تتعدد أسماء القائمين عليه المتفقين على خطوطه العريضة من علماء وأمراء ودعاة ومهنيين ومثقفين ولا يكون مقصورًا على وصف دون غيره حتى تقبله الأمة بجميع فئاتها.

09 من شهر ربيع الأول عام 1428

كيف تكون بطلًا

محمد بن سرار اليامي

دار الوطن

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

لو قدّر لأحدنا أن يسلك طريقًا فيه شوك، لعدل عن الشوك أو جاوزه أو قصر عنه.

ولو أن أحدنا خيّر بين طريقين: عسير ويسير، سهل وصعب، وكان اليسير على أحب وأرضى ما يكون، وكان العسير على أسوأ ما يكون، لسلك العاقل اللبيب سبل اليسر والسلامة، ولحاول الأحمق سلوك غير هذا السبيل..

بل لو حمل أحدنا إناءً حارًا لاتخذ له وقاية تقيه من حرارة هذا الإناء، ولعمل كل ما في وسعه لجلب السلامة له، ودفع المضرة عنه.

ولو قال قائل: لا حاجة للوقاية من حر الإناء.. لقلنا: هذا جنون وسفه، فلو طلب من أحدنا المشي على أرض ذات شوك لشمّر واجتهد في السير.

فلو تهاون في ذلك خسر آلة المشي، ولو وقف قصر دون حاجته، ولو لبس واقيًا من حذاء ونحوه، بلغ غايته وما قصّر، ولجاوز الشوك، وما تأثر..

فتلك هي تقوى الله. نعم؛ تلك هي تقوى الله.

أيها المبارك: إنه نجيّك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، ومن أنت بعينه، ومن لا تخرج عن سلطانه، ومن لا ملك إلا ملكه ولا رادّ لفضله، ولا مانع لما أعطى، ومن لا معطي لما منع.. إنه لحقيق بأن تجعل بينك وبين عذابه وقاية وحرزًا، ولا وقاية ولا حرز خير من ترك ما حرّم وامتثال ما أمره، فتقوى الله بترك المحرمات، وفعل الطاعات، والتقوى الهرب من النار وأسباب دخولها، والعمل بأسباب دخول الجنة..

بل هي: الصراط المستقيم..

وهي: الإيمان والعمل الصالح..

وهي: العلم النافع والعمل الصالح..

وهي: العمل بالمأمور وترك المحظور..

وهي: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية..

وهي: الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل..

وهي: ترك الذنوب أجمع..

بل وهي: أن يكون الله نصب عينيك..

خلّ الذنوب كبيرها *** وصغيرها ذاك التقى

واصنع كماش فوق أرض *** والشوك يحذر ما يرى

لا تحقرنّ صغيرة *** إن الجبال من الحصى

أوصى المعصوم معاذ بن جبل فقال له: { اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن } [رواه الترمذي وأحمد] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت