الصفحة 1910 من 3812

(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ.. مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) ..

فعلى كل مسلم أن يجاهد نفسه في ذات نفسه، وأن يجتهد في دائرته القريبة منه ما استطاع ليلتزم بتعاليم الله، مهما خالف ذلك هواه..بل مهما شق ذلك على نفسه..

وليتذكر أنها الجنة..

وأنه بهذه المجاهدة ينصر دين الله في ذات مملكته!...

اضرب بمعولك وساوس الشيطان وأقبل على ربك بصدق، ولا تنتظر الآخرين، فإنك محاسب عن نفسك..

واجهد على أن تقتلع أشواك الهوى التي أدمت قلبك فأبعدته عن الله - سبحانه وتعالى- وانفض من روحك الرماد الذي غطاها زمانًا طويلًا، وتعرّف جيدا على ربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك، واستحي منه إن كان في قلبك شيء من الحياء..!!

وأصلح نفسك لتتهيأ لجنة عرضها السماوات والأرض، واعمل قدر طاقتك أن تصلح أهلك وأقرباءك معك،

وعليك خلال ذلك كله بجرعة الصبر والمصابرة على: مجاهدة النفس والأهواء وفتن الدنيا، واصبر وصابر..

كي يتسنى لك الخروج من الظلمات إلى النور، وثق بأن تعويض الله لك سيكون عظيما، عظيمًا من حيث لا تحتسب..

فقد وعد ولن يخلف وعده..

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) ..

فالهداية إلى السبل: أول الرحلة إليها (المجاهدة) فافهم..

وإذا فهمت: فاعمل ولا تسوف.. ولا تنتظر الآخرين....

وثق بأنك سائر في الطريق السالك نحو مرضاة الله - عز وجل- ثم جنة عرضها السماوات والأرض: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

ولله در الشاعر حيث يقول:

عظماء الدنيا ما سادوا *** إلا بالصبرِ على المُرّ

نعم.. إن أهل الباطل يصبرون ويصابرون ويبذلون من أجل باطلهم!!

وعلى أهل الحق أن يكونوا أكثر صبرا منهم، وأكثر بذلا منهم..!

اصبر قليلًا فبعد العسر تيسيرُ *** وكلُ وقتٍ لهُ أمرٌ وتدبيرُ

وللمهيمنِ في حالاتنا نظرٌ *** وفوقَ تدبيرنا للهِ تدبيرُ.

وبالله التوفيق.. ومنه السداد والعون..

فإن أصبنا فلا عجبٌ ولا غررُ ** وإن نقصنا فإن الناس ما كملوا

والكاملُ الله في ذاتٍ وفي صفةٍ ** وناقص الذات لم يكمل له عملُ

يا دعاتنا الأحبة.. لا تخدروا الأمة بالنصر والتفاؤل

لست ضد بعث روح الأمل بالنصر والتفاؤل في الأمة بل أقول شكرًا وجزى الله خيرًا كل من يساهم في بث ذلك في الأمة، ويبذل جهدًا في تحقيقه، ولكن لاحظت بل وآلمني ملاحظة لاحظتها في خطاب بعض الدعاة الذين يبشرون الأمة بالنصر؛ ويدعونها إلى التفاؤل؛ وهي تذكيرهم الأمة بالنصر والتفاؤل بدون أن يذكروها بأن تحقق الأسباب التي ستؤدي إلى حدوث النصر أو حدوث ما يحقق الواقع الذي نتفائل بقدومه.

وأهم هذه الأسباب هي عودة الأمة إلى حقيقة دينها، وتطبيقه التطبيق الكامل، والالتزام بأوامره في كل الأمور. وحقيقة أن مثل هذه الخطابات التي لا تكون شمولية، وتنسى التذكير بواجب الصلاح والإصلاح في تذكيرها، قد يكون فيها تخدير للأمة، وكأننا نقول لها وهي لا تزال لم تتجه بصدق للإصلاح: أن لا تخافي ولا بأس ولا مشكلة في أن تستمري على ما أنت عليه، وتفائلي وسيأتيك النصر والغلبة. وهذا يشابه طمأنتنا للطالب الكسول المحبط بأن عليه ألا ييأس، وأنه سينجح بدون أن يذكره بأن عليه أن يثابر ويجتهد. نعم مهم أن نزيل إحباطه بأن نرفع معنويته، ولكن مع تذكيرنا له ببذل الجهد والمثابرة.

ولا شك أننا لا نريد أن تعيش الأمة في هزيمة نفسية، وأن تنسى ماضيها المجيد واعتزازها به، ولكن علينا ألا يساورنا أي لبس في أن أساس نصرنا هو تمسكنا بديننا، فلا وجود العزة بأنفسنا ونهجنا، وذهاب الهزيمة النفسية (على الرغم من أهمية كل ذلك) ؛ يحقق النصر لنا إذا كنا لم نحقق صدق الالتزام بديننا والتمسك به.

ولم يكن أحد أكثر اعتزازًا بدينه من كبار الصحابة - رضوان الله عليهم - الذين شاركوا في غزوة أحد، ومع ذلك أتت الهزيمة عندما تركت فئة منهم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) .

عمومًا ليس القصد ألا نبشر الأمة ونبعث فيها التفاؤل، ولكن ليكن طرحنا شموليًا ومتكاملًا، بذكر واجب التوبة والعودة وإصلاح المسار عند الحديث عن التفاؤل والتبشير بالنصر، حتى يكون توجيهنا حافزًا للإصلاح لا مخدرًا للرضا بالواقع البعيد عن حقيقة الدين، والتمسك به الذي تعيشه الأمة، والذي أدى إلى كل هذه الأعراض، والإشكالات، والذل، والهوان، والضعف الذي تعيشه الأمة، بل هو من أهم عوامل حدوث الهزيمة النفسية التي نعيشها.

وأدعو كل الأحبة إلى تأمل هذه الكلمة الهامة للشيخ ابن عثيمين - رحمه الله:

(... قال العلامة ابن عثيمين - رحمه الله - كلمة مسجلة له تعتبر بالغة الأهمية، فقد قالها وسط غمرة أحداث الانتفاضة الفلسطينية المباركة الأخيرة، وبالضبط يوم الاثنين 19رجب 1421هـ, فقال رحمه الله معلقًا على الأحداث: (كيف نؤمل النصر ونحن هذه أفعالنا ونياتنا. إذن لنرجع لأنفسنا لا تأخذنا العاطفة ! المسجد الأقصى لا يمكن أن يرجع إلا إلى أصحابه ومن هم أصحابه؟ اسمع قول الله - عز وجل:(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) .. (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت