الصفحة 1919 من 3812

وكان أول من أدخل عبادة الأصنام على العرب عمرو بن لُحَيّ الخزاعي، كما جاء في حديث أخرجه الحاكم، وفيه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ذكر النار:"ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم الخزاعي، فقال معبد: يا رسول الله أتخشى عليَّ من شبهه فإنه والدي؟ قال: لا، أنت مؤمن وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام".

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي ( [2] ) .

وانتشرت عبادة الأصنام في بلاد العرب حتى دخلت إلى بيوتهم، وفي بيان ذلك يقول ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسَّح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله ( [3] ) .

وقد أخذت عبادة الأصنام أشكالًا متعددة منها السجود لها والطواف حولها والنحر عندها، والتمسح بها.

ومن مظاهر إشراكهم الأصنام مع الله - تعالى -قول بعضهم في تلبية الحج"لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك" ( [4] ) .

هذا وقد انتشرت عبادة الأصنام في أكثر الأمم الجاهلية كما سيتبين لنا في عرض مواقف الفتوحات الإسلامية.

أما الضرب الثاني من الطغيان فهو منح زعماء المشركين حق التشريع من دون الله - تعالى -فهذا واضح في جميع الأمم ومنها قبائل العرب حيث كان الزعماء هم الذين يشرعون للناس ما ينظمون به حياتهم من غير رجوع إلى وحي سماوي، وكان بروز دور الزعماء في حياة الأمم ذات الحكومات أكبر مما هو عليه عند العرب الذين كانت تغلب عليهم الحياة القبلية.

وحينما تكون القلوب ممتلئة بتعظيم الأصنام والخوف منها وبتعظيم البشر والرهبة منهم فإن تصورات الإنسان تكون منحرفة عن الخط المستقيم، لأن فكره سيكون مشغولًا بهذا الإطار، من تقديم مظاهر التعظيم والولاء والخوف والرجاء رغبة فيما عندهم من الخير واتقاء لما عندهم من الشر الذي يكون من نسج الخيال وهيمنة الأوهام بالنسبة للأصنام، ومن المغالاة في تقدير الأسباب التي يمكِّن الله - تعالى -منها طغاة البشر واعتبارهم مستقلين بها عن إرادة الله - تعالى -وقدرته.

وبالتالي يكون السلوك منحرفًا نحو عبادتهم من دون الله - تعالى - وذلك ظاهر في الأصنام، ومغلف بالنسبة للطغاة لعدم تقديم مظاهر العبادة الظاهرة لهم ولكن بتقديم رضاهم على رضا الله - تعالى -، وما يحبونه على مايحبه، واجتناب سخطهم وغضبهم وإن غضب الله - جل وعلا - عليهم.

وإن مهمة الداعية الحقيقية هي الجد في محاولة تفريغ قلوب هؤلاء المستعبدين وتطهيرها من رجس عبادة الأوثان من الأصنام ومن طغاة البشر، وذلك ببيان حقارة الأصنام وعدم تمتعها بخصائص الإنسان العاقل فضلًا عن خصائص الألوهية، وببيان جرائم الطغاة ومظاهر الضعف والتناقض في أحكامهم وقراراتهم لتحطيم كبريائهم وتطهير العقول من اعتقاد عظمتهم وقداستهم.

ولقد قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته بهذه المهمة خير قيام، حيث حطم الطغيان البشري القائم في عهده، وأحل محله العبودية الكاملة لله - عز وجل -.

وقد أخذ جهاده لتحطيم الطغيان مسلكين:

المسلك الأول: ما قام به من تحقير الأصنام وتسفيه عبادتها وإظهارها بمظهر العاجز الذي لا يبصر ولا يسمع، ولا يضر ولا ينفع، وقد نزلت في هذا المعنى آيات كثيرة منها قول الله - تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (192) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (198 ) ) [الأعراف: 191 198] .

وقوله - تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) [الفرقان: 3]

وقوله - تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ - سبحانه وتعالى - عَمَّا يُشْرِكُونَ) [يونس: 18] .

وقوله - تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ(13) إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14 ) ) [فاطر: 13 14] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت