الصفحة 1920 من 3812

وقوله - تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج: 73] .

وقوله - تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا) [فاطر: 40] .

وقوله - تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ) [سبأ: 22] .

ففي هذه الآيات بيان عجز الأصنام وعدم أهليتها لأن تكون آلهة تعبد من دون الله - تعالى -، حيث فقدت الحواس والأعضاء اللازمة لكل حي كي يتحرك ويعمل، فضلًا عما هو فوق ذلك مما هو من خصائص الإله القادر كالإيجاد من العدم والملك المطلق لكل ما في السموات والأرض.

وليس المقصود بنقد عبادة الأصنام وتحطيم طغيان الكفار بها أن يقوم المسلمون بسبِّ تلك الأصنام، فإن السب لا ينتج تحطيمًا وقر في النفوس من تعظيمها وإنما يدفع عابديها إلى شيء من رد الفعل فيسبوا الله - جل وعلا - عن ذلك، ولذلك نهى الله - سبحانه - المسلمين عن هذا السلوك بقوله: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 108] .

فالسب والشتم نُزُول في مجال الجدل ولا يقوم به إلا من فقد الحجة والبيان في الدفاع عن قضيته، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أعطاه الله - تعالى - أعلى البيان البشري وأبلغ الحجة، مع ما هو مؤيد به من الوحي الإلهي العظيم.

أما الآيات السابقة التي اشتملت على نقد عبادة الأصنام فليست من باب السب والشتم، وإنما هي من النقد المشتمل على بيان الحقائق، ومن هذه الحقائق أن الأصنام عاجزة عن خلق الأشياء من العدم، وأنها لا تستطيع نصر عبادها ولا نصر أنفسها، وأنها لا تملك لنفسها ضرًا ولا نفعًا، فضلًا عن أن تمنح ذلك عابديها، وأنها لا تستطيع إماتة الناس ولا إحياءهم، وأنها لا تملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.

فهذه الحقائق الناصعة لا يستطيع الكفار أن يجيبوا عنها إلا بالإقرار والاعتراف بصدق ما جاء في القرآن من وصف أصنامهم، بينما لا يستطيعون أن يصفوا الله - جل وعلا - بتلك النقائص لأنهم يقرّون بتوحيد الربوبية، وإنما جحدوا توحيد الألوهية.

والمسلك الثاني: القيام بتحطيم طغاة الكفار الذين كانوا يتزعمون قومهم ويشرعون لهم القوانين التي يسيرون عليها في هذه الحياة، حيث إن الطغيان في ذلك الزمن يتمثل في شرك العبادة، وذلك بعبادة الأصنام من دون الله - تعالى -، وفي شرك الطاعة، وذلك بطاعة السادة والزعماء الذين يشرعون للناس من دون الله - تعالى -.

ولقد نزل في توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تحطيم الطغيان البشري آيات كثيرة، منها: -

قوله - تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(121) أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122 ) ) [الأنعام: 121 122] .

وقوله - تعالى: (وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ(43) إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44 ) ) [يونس: 4243] .

وقوله - تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ) [الأنبياء: 45] .

وقوله - تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ(98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100 ) ) [الأنبياء: 98 100] .

وقوله - تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) [الزمر: 64] .

وقوله - تعالى: (وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (9) مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10 ) ) [الجاثية: 7 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت