فهرس الكتاب
ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجهر بتلاوة هذه الآيات وأمثالها ولايداري المشركين بالإسرار بها، وكان من الأهداف الكبيرة والحكَم البالغة من نزول هذه الآيات الشديدة على المشركين أن يتحطم الطغيان الذي عشش في أفكار زعماء الكفار وسادتهم، وأن يتلاشى شيئًا فشيئًا ما وقر في نفوس الأتباع من تعظيمهم والرهبة منهم.
ولقد سبقت أخبار تبين جرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - على زعماء الكفار وستأتي أخبار أخرى في هذا المجال.
ولقد اجتمع على سيادة مكة آنذاك عدد من أشراف قريش منهم أبو جهل عمرو بن هشام وأمية وأبي ابنا خلف والوليد بن المغيرة وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب والعاص بن وائل، وكانوا جميعًا يعادون الإسلام ويحكمون أهل مكة بالقوانين التي تعارفوا عليها، وكان من الصعب على أفراد الناس أن يخالفوهم في شيء من ذلك، بل إنّ قوانينهم تلك اكتسبت القداسة الدينية لكونها مما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، فلما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخالفتهم في ذلك والإنكار عليهم وتسفيه آرائهم وعيب ما ورثوه عن أسلافهم أنكروا ذلك منه وناصبوه العداء، وساءهم أن بعض أشرافهم قاموا بحمايته وأبرزهم عمه أبو طالب.
وكان لزعماء مكة المذكورين شأن كبير في نفوس أكثر أهل مكة، بل في نفوس قبائل العرب، وقد بلغ تعظيم أتباعهم لهم في مكة حد العبادة حيث خضعوا لهم في القوانين التي كانوا يؤمنون بها ويحمونها وينفذونها، فكان من أعظم مَهامِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته أن يزيل من النفوس ما وقر فيها من تعظيم هؤلاء الطغاة، وأن يمحو من القلوب أي حب أو تقدير لهم، لأن تمكن محبتهم وتعظيمهم في القلوب يزاحم وجود الإيمان بالله - تعالى -وتعظيمه، وبالتالي يتكوَّن سلوك الناس في الحياة وتصوراتهم على ما يرسخ في القلب من المعتقدات.
لقد كان من أول ما يتخلى عنه المؤمنون بالإسلام آنذاك أن ينفضوا من قلوبهم أي غبار علق بها من الولاء للأصنام أو للطغاة الذين يحاولون أن يتحكموا في مصائر الناس وأن يحددوا لهم المعتقدات التي يؤمنون بها والسلوك الذي يسيرون عليه في الحياة.
ولقد كان الرجل يمسي كافرًا وقلبه عامر بحب أولئك الأوثان من الحجارة وطغاة البشر، ثم يصبح مؤمنًا وقد محا من قلبه أي وجود لتلك الأوثان.
ولقد كان من مظاهر ولاء الكفار لطغاتهم أنهم كانوا يُكثرون من الثناء عليهم وذكر محاسنهم ويغضُّون الطرف عن مساوئهم، بل كانوا يسِّوغون مساوئهم ويحوِّلونها إلى محاسن ومحامد.
لقد كان أولئك الطغاة يقودون قومهم إلى الضلال في الدنيا والنار في الآخرة رغم وضوح الحق لهم واعتراف بعضهم بذلك، ومع ذلك يتبعهم عامة الناس إلى هذه الحياة المظلمة والمصير المهلك، وقد ألغوا عقولهم وحصروا تفكيرهم في محاولة كسب رضا أولئك الطغاة والحصول على شيء مما يجري على أيديهم من متاع الدنيا الزائل، أو كسب الجاه الوهمي الذي يحاول الطغاة رفعهم إليه.
ولقد كان يحصل من أولئك الطغاة غالبًا تمجيد لأولئك الأتباع الذين يسيرون في ركابهم، وثناء عليهم بذكر فضائلهم، وما ذاك إلا لأن الطغاة لا يقوم وجودهم إلا على أتباعهم من عموم الناس، فإذا فقدوا هذه القاعدة سقطوا، فوجود كل من الطائفتين مرتبط بوجود الطائفة الأخرى.
وكما أن العامة محتاجون إلى الطغاة في بعض أمور معاشهم وتَبوُّء المكانة الاجتماعية التي يطمحون إليها فإن الطغاة محتاجون إليهم لأنهم الركيزة التي يقوم عليها مجدهم، بل إن حاجة هؤلاء إلى العامة أعظم وأهم، لأن وجود مجدهم يقوم على أولئك العامة بينما يستطيع العامة لو عقلوا وتفكروا أن يتخلوا عنهم وأن يبحثوا عن ما يحقق مصالحهم في الدنيا والآخرة.
وهكذا فعل المؤمنون في مكة حيث حرروا أنفسهم من أوهام الجاهلية ومن ربقة تبعية أولئك الطغاة، فأصبحوا ينظرون إليهم بازدراء واحتقار، ويعدُّونهم من معالم الوثنية التي جاء الإسلام للقضاء عليها وتحرير عقول الناس منها.
إن ما قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تحرير عقول الناس من تبعية طغاة البشر قد أتاح لهم فرصة عظيمة من التفكير والإبداع في هذه الحياة، فليس أمام المؤمنين من يطلبون رضاه ويجتنبون سخطه إلا الله - تعالى -، ثم هم بعد ذلك يتحركون غير مقيدين بالخضوع لبشر مثلهم، وإن كان الإسلام قد أوجب عليهم طاعة ولاتهم فإن ذلك من طاعة الله - جل وعلا -، مادام الجميع خاضعين لذلك المبدأ العظيم وهو طلب رضوان الله - تعالى -واجتناب سخطه.
(1) مفردات الراغب /304.
(2) المستدرك 4/605.
(3) سيرة ابن هشام 1/91.
(4) سيرة ابن هشام 1/86.
هموم الدعوة الإسلامية في شعر الدكتور عدنان علي رضا النحوي
أسامة محمد أمين الشيخ
لم تشغل الدعوة الإسلامية بال أو فكر شاعر مسلم مثلما شغلت فكر وشعر الدكتور عدنان علي رضا النحوي، فنصب من نفسه محاميًا عنها مدافعًا عن قضاياها، وهو الذي يشعر بآلام وآمال الأمة الإسلامية.
فبنظرة سريعة حية إلى ديوانه (عبر وعبرات) المفعم بآمال وآلام الأمة المسلمة، نجد هناك درره الشعرية التي أطلقها قلب مؤمن شديد الإيمان متعمق في لغته متمكن من استخدام أدواته الأدبية، فشاعرنا أديب مسلم يمتد أدبه وشعره ونثره إلى مواقفه الحقيقية في الحياة، وهو ملتزم في أفكاره. وألفاظه طيبة عذبة محببة للنفوس، بعيدة عن الغرابة والخشونة، لا تظهر في ألفاظه المصطلحات الحديثة.