فهرس الكتاب
الرابع عشر: نحن في زمن انتشرت فيه الفتن من كل جانب، فكن كمن هو قائم يذبُّ عن صغاره السهام ويحوطهم من الأذى واحرص على ذلك أشد الحرص، وليكن لك حسن توجيه في اختيار رفيقهم وجليسهم فإن الصاحب ساحب والرسول يقول: { الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل } [رواه أحمد] . واحذر أن تصحبهم إلى محلات ضياع الأوقات وإلى ما فيه منكرات. وكن لهم الأب والصاحب والصديق. واغرس في نفوس أبنائك الرجولة وفي بناتك الحياء والعفة وذلك عبر اللباس والتوجيه والمحاكاة ولا تتساهل في خروجهن من المنزل إلا برفقتك أو برفقة والدتهن.. ولا تظن أن من دواعي التحضر أن تلقي تعاليم الإسلام جانبًا.. واحذر أن يخرج من صلبك من يحارب الله عز وجل قولًا وفعلًا !!
الخامس عشر: وقتك طويل ولديك ساعات كثيرة بعد نهاية عملك فما نصيب أبنائك منها؟ فإن كنت مفرطًا في حقهم فتدارك ما فات واجعل لهم النصيب الأكبر، وإن كنت ممن حفظ هذا الوقت وجعله لهم فهنيئًا لك، ولا تغفل أن يكون بيتك ومملكتك الصغيرة واحة إيمانية تقرأ عليهم فيها من سيرة الرسول وتجعل فيها المسابقات الثقافية والإسلامية والعلمية. واجعل لمن حفظ القران جوائز قيمة. واحرص على تلمُّس سيرة الرسول وحسن تعامله وتواضعه وممازحته للصغار.
رزقنا الله وإياكم الذرية الصالحة، وأقرَّ أعيننا بصلاحهم وفلاحهم، وجمعنا وإياهم ووالدينا في جنات عدن، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
خطبة"صمام الأمان ( 3 ) "
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى:
أما بعد معاشر المؤمنين..
حديثنا موصول عن صمام الأمان، الذي تطمئن به وبإقامته النفوس والقلوب، وتصلح الأفعال والأحوال، ويستقيم أمر الأفراد والجماعات، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
وقد سلف لنا حديث عن أهميته وخطورته، وثنيّنا بحديث يخصنا في التأهل له والتهيؤ واتخاذ الأسباب لإقامته، واليوم دعوة للجميع لا يستثنى منها أحد، التحق بالقافلة، كن في ركب الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، قال الكيلاني - رحمه الله - في هذا المعنى:
"كان هو - يعني الرسول - صلى الله عليه وسلم - الداعي والدليل إلى رضوان الله - عز وجل -، ولما اختاره الحق - عز وجل - أقام له من أمته من يخلفهم فيهم، وهم آحاد أفراد من كل ألف ألف واحد يدلون الخلق ويصبرون على أذاهم مع دوام النصح لهم".
فكن في هذه القافلة السائرة على خطى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكن في هذا الركب المتتبع لآثار هدي المصطفى - عليه الصلاة والسلام -.
وأصيح بنفسي وبكم إلى العمل قبل فوات الأوان، وقبل اتساع الخرق على الراقع، وقبل انفراط العقد وعدم إمكان التسديد، فكلنا يدرك الصور كثيرة التي تنذر بمخاطر عظيمة، لا أقول كثرة المنكرات، فكلكم يعلم كثرتها ويرى انتشارها ويعرف تكررها.. بل أزيد فوق ذلك، قلة المنكرين، فلا تكاد تسمع لسانا بالحق ناطقا، ولا قلما بالإنكار كاتبا إلا ما رحم الله، ويزداد الأمر خطورة إذا رأينا إعلان المنكرات، فإنها ليست منتشرة ومستترة، بل في كثير منها ظاهرة نراها على القنوات ونسمعها في الإذاعات، ونبصرها على صفحات الصحف والمجلات، ونسمعها في الجلسات والمنتديات، ونزيد في هذه الخطورة زيادة وهي تهوين المنكرات؛ فإن قلت كيف هذه الصور للنساء حاسرات الرؤوس مزينات الوجوه، قيل وهل لا زالت ترى في هذا خطرا الأمر أعظم، ومثل هذا صار أمرا مألوفا أو صار أمرا لا ينكر عليه، أو صار أمرا فيه وما فيه، هل ترى مذيعة الأخبار وهي متزينة هل في ذلك من شيء، لم لا زالت عقولكم محدودة؟ أصبح المنكر الذي لا شك مطلقا في حرمته ولا خلاف بين أهل العلم بين مجيز ومحرم أو غير ذلك، أصبح هينا سهلا يستغرب من إنكاره ويتعجب ممن يتعجب من وجوده ووروده.
ثم ننتقل إلى خطوة أعظم وأخطر وهي: تسويغ المنكرات، وإضفاء الشرعية عليها؛ سواء كانت شرعية شرعية، أي من مدخل الاختلاف الذي يزعمونه ويوسعونه ويجعلون ما ليس مختلفًا فيه داخل في دائرة الاختلاف، حتى صار المرء يبحث عن أمر محرم لا شك في حرمته، ولربما يأتينا من يقول غدًا وهل في الخمر من حرمة مقطوع بها فيها أقوال وفيها اجتهادات، وربما كما سمعنا من قبل، يأتي ذلك على الربا، ثم يأتي على الطوام الكبرى والكبائر العظمى - والعياذ بالله - بل قد بلغ الأمر إلى أمور أخطر تمس الاعتقاد وجوهر التوحيد وقيل فيه أقوال وفيه أراء وفيه غير ذلك.
وتسويغ آخر، هو التسويغ العالمي الأممي العولمي؛ فنحن جزء من العالم، ما حدث في العالم ويحدث فيه لا بد أن يحدث عندنا مثله، فإذا رقص العالم يجب أن نرقص وإذا تعرى العالم يجب أن نتعرى حتى لا نكون شذوذا في هذا العالم، وهذه من الفرية والفرى العظيمة، حتى يتجدد عندنا القول القرآني الرباني، الذي وصف لنا حالة مشابهة في مجتمع فشا فيه منكر عظيم في عهد لوط - عليه السلام - وفي قومه حتى قالوا للنفر القلة المتبعين للوط - عليه السلام: {أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} ..