الصفحة 1937 من 3812

قلوب مؤمنة فيها حياة وفيها روح، قد يكون ران عليها أثر المعصية، قد يكون استولت عليها الشهوات لكنها ما زالت فيها جذوة الإيمان وبذرة اليقين وحب الخير والصلاح، تتذكر وتتعظ، إن لم تكن قادرا على ذلك وحدك، فاصطحب معك واحدًا من الجيران أو من الإخوان أو من المعارف، قم بهذه المهمة وحدك أو مع غيرك، قوموا بها أفرادا تتعاقبون يأتيه هذا اليوم وغدا يأتيه ذاك، وبعد غد يأتيه ثالث حتى يشعر بأن الجميع ينصحونه ويردعونه، وكذلك ممكن أن يكون ذلك في مجموعات متوالية، ثلاثة يزورونه وأربعة يمرون به وخمسة يقابلونه حتى يشعر أن كل من حوله يريدون له الخير ويحبون له أن يعزل عن هذا الطريق الذي يعرضه لسخط الله - سبحانه وتعالى -.

ومن ذلك المكاتبة المباشرة حتى لمن لا تعرف، هل رأيت كاتبًا كتب يومًا مقالًا فيه انحراف، وفيه خطر، وفيه دعوة إلى فساد، عنوانه مكتوب.. اكتب له وإن كنت لا تعرفه ولا يعرفك، انطق بالحق فلو أن كل واحدٍ صنع ذلك منا لجاء لهذا الكاتب عشرات بل مئات بل ربما آلاف الرسائل تقول له إنك أخطأت، ربما يرجع، بل نأمل كذلك بنسبة كبيرة أن يغير رأيه أو أن يتوازن أو أن لا يستمر في ذلك أو أن يخشى عاقبة أخراه أو أن يستحي أن يكون شاذا بين الناس، لكنه إن كتب وجد من يؤيده وثاني يكتب مثله ولا أحد يكتب ولا أحد يعترض؛ فإن مثل هذا لا شك أنه من السلبية والتخلي عن المهمة العظيمة التي بتركها يقع الفساد والشر {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} وفي تتمة الآيات {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} .

إن لم يكن ولاء على الطاعة وتبادل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل الأمة تفكك بنيانها وتصدعت قوتها، وأصبحت مهددة بأن يدوس الأعداء في خلال ديارها، وأن يتسربوا وينتشروا في أوصالها، وأن يشيعوا الفساد فكرا منحرفا وسلوكا منحرفا في أبناء أمتها.

وهذه صورٌ مهمة.. اكتب لرئيس التحرير، اكتب للكاتب، اكتب لمدير تلك القناة، اكتب ولو كنت تظن أنه لن تكون هناك استجابة، لو أن كل كاتب كتب دون النظر إلى الاستجابة لوصلت الكتابات - كما قلت - إلى الآلاف بل عشرات الآلاف، كم أعدادنا في كل مجتمع خير، كم الذين يملئون المساجد هل يأتون المساجد ليسمعوا ثم يخرجوا دون أن تكون لهم مهمة تجاه دينهم ولا غيرة على حرمات ربهم، ولا انتصار لسنة رسولهم - صلى الله عليه وسلم -، إذا فهذه الصورة القبيحة التي ذكرت لكم عنها من كلام ابن القيم - رحمه الله -.

الخطوات مع المؤثرين:

فلنكتب ولنصل بأنفسنا كذلك إلى المسئولين من أكبر مسئول في الدولة خادم الحرمين، يقول انصحوني، ويقول قدموا لي ما تريدون ويعلن ذلك.. فلِمَ لا نصنع لم لا نكتب لم لا نصل بقدر مستطاعنا وبقدر من يستطيع منا، لِمَ لا نكتب إلى علماءنا وإلى المفتي وإلى الهيئات وإلى كل ذوي الرأي! لِمَ لا نكتب إلى أمراء المناطق ومسئولي وأمراء المحافظات! لِمَ لا نكتب لمسئولي الدائرة التي نعرف أن فيها مخالفة أو منكرًا! لو كل ذلك صنعناه فهل يعيبنا ذلك أو هل نكون مخالفين لشيء؟ كلا! قلنا كلمة حق بأسلوب مهذب و نصيحة محكمة مطعمة ومطرزة ومنوّرة بآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقوال من أقوال قادة هذه البلاد ونصوص من الأنظمة المنصوص عليها في هذه البلاد، إذًا أقمنا الحجة ودعونا إلى خير لعله أن يكون فيه كثير وكثير من الخير.

الكتابة للقضاة وللوجهاء أيضًا من التجار وأصحاب السمعة والسيرة الحسنة في الناس؛ فإن الناس ربما يسمعون لقولهم أكثر مما يسمعون لقولي وقولك، وربما لو تكلم الوجيه مع المسئول عندما نصل إلى ذلك الوجيه ونخبره عن أثر المنكرات، يكون الأمر فيه خير وتأثير ولو أن كل واحد وكل مجموعة في حي فعلت ذلك لكان من وراء ذلك خير كثير، ولجددنا سير أسلافنا؛ فقد كانوا ينتدبون لهذه المهمة ويحرك بعضهم بعضا فيها، ليس في عصور متأخرة بل من العصور المتقدمة فهذا هشام بن حكيم - رضي الله عنه - وأرضاه كان يأمر بالمعروف في رجال معه يصطحبهم يأخذهم معه، يسيرون متعاضدين حتى يروا الناس أن للخير من يأمر به، وأن للمنكر من ينهى عنه، وأن في المجتمع وفي الأمة أحرار أغيار لا يرضون أن ينتكس حال أمتنا وأن تتأخر من بعد التقدم وأن ترجع إلى المعاصي بعد أن سبقت إلى الطاعات وأن نؤكد ونستيقن أنه لن يصلح حال أمتنا إلا بما صلح به حال أولها، استقامة لا يعتريه انحراف (قل آمنت بالله ثم استقم)

وأمر بمعروف ونهي عن المنكر يتدارك كل خطأ وكل غفلة ونسيان.

وهذا المحدث الزاهد عبد الرحيم البغدادي في بغداد في زمانه كان مما ذكره الذهبي عنه أنه قال وله أتباع وأصحاب يتولون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر ابن الجوزي عن ابن عقيل قوله رأينا في زماننا أبابكر الأقفالي في أيام القائم - أي في أيام حكم الخليفة القائم بأمر الله- قال:"كان إذا نهض لإنكار المنكر استتبع معه مشايخ لا يأكلون إلا من صنعة أيديهم"أي ليكونوا أحرارا في قول الحق.

ثم ماذا؟ ثم يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء كان بالقول أو بالكتابة بالأسلوب المناسب وتاريخنا مليء بذلك، فهذا الحسن البصري - رحمه الله - يكتب إلى عمر بن عبد العزيز الخليفة المؤمن الزاهد العادل فيذكره في رسالة طويلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت