فهرس الكتاب
إننا نخطئ كثيرًا عندما نفرق بين المسلم الملتحي وغير الملتحي، ونتسبب - بحسن نية - في الإساءة لهما جميعًا. للأول عندما نحصر الخير فيه، ثم نحصره في فئة. وللثاني عندما نساهم في صنع الحاجز بينه وبين الخير. والصواب - في نظري - أن الجميع مسلمون مجتهدون في الخير وإدراكه، ومن قصرّ منهم في أمر فليسعى في تكميله، ولا ينصرف بسببه عن مصالحه الأخروية. وهما جميعًا يمثلان المجتمع المسلم. أما من شذ عن الإسلام من المنافقين فهم شرذمة لا نسبة لهم - ولله الحمد -، والمجتمع برمته يقف صفًا واحدًا في مواجهتهم؛ لأن خطرهم - لو تمكنوا - والعياذ بالله - سيطال الجميع؛ دون تفريق بين"مطوع"و"غير مطوع".
فالأولى بنا"تكتيل"المسلمين جميعًا ضد"الكفار"ومن تابعهم من"المنافقين"الذين يعادون الإسلام، ويُعارضون حكمه وهيمنته. وطرح هذه الأوصاف التي منعت خيرًا كثيرًا. ومثلها وصف"إسلامي"و"غير إسلامي"! الذي يستعمله للأسف بعض الأخيار، متغافلين عن أثره السيئ على أبناء المجتمع المسلم. فهل نحن منتهون؟
أخيرًا: هذا رابط الموقع الذي تبرع به من وصف نفسه بـ"ماني مطوع!"أتمنى أن يُدعى له، ويُساهم معه في نشر رابطه، وإبداء الملاحظات. والله الموفق.
خاتم الرسل محمد - صلى الله عليه وسلم -
الدعوة الإسلامية دعوة عملية وليست مفاهيم نظرية
من يتدبر حال النصرانية ــ مثلا ـــ يجد أنها تحولت إلى مجموعة من المفاهيم النظرية التي يكفي مجرد التصديق بها للانتساب إليها، وإذا انضم إلى هذه المفاهيم ممارسة بعض الشعائر التعبدية فإن الشخص يعتبر من المتدين. !
حتى أنك حين تستمع إلى دعوة النصرانية ـ مثلا ـ تجد أنها دعوة إلى التصديق بأمور نظرية، مثل قضية التثليث، وقضية الصلب والفداء، وقداسة الباباوات. وبعض الشعائر التعبدية، والحياة بعد ذلك تخضع لما يمليه عليهم الواقع.
وكذا أصبحت البوذية واليهودية، وكاد الإرجاء أن يفعلها بالدعوة الإسلامية لولا أن الله قيض لهذا الدين رجال. أحي بهم السنة وأمات بهم البدعة.
وأعرض بعض المشاهد من السيرة النبوية، لأبين بها أن الدين لم يكن يوما ما نظرية مجردة ولا مجادلة فكرية يكتفي بمجرد الاقتناع فيها...
تروي لنا كتب السير أن مسلمة جلست في سوق بني قينقاع في المدينة عند صائغ يهودي فراودها عن كشف وجهها فأبت عليه، فعقد طرف ثوبها إلى ظهرها على حين غفلة منها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت. فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه.
هذا مشهد من المشاهد ترويه لنا كتب السيرة، والمشهد التالي له مباشرة ــ في كتب السيرة ــ هو حصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبني قينقاع وإصراره على ذبحهم لولا وقاحة بن سلول في شفاعته لهم. وسقط من كل الروايات ما بين المشهدين ـــ ما حدث في السوق والحصار ــــ من الأحداث، كأن الحدثين متلاصقين.
فلم تروِ لنا كتب السير أن أحدا تكلم بأن مَن فعل الفعلة قُتل فكفّوا أيديكم يكفي؛ ولم تروي لنا كتب السير أن أحدا تكلم بأن الأمر لم يتجاوز كشف جزء من العورة لفترة وجيزة، ولم تروي لنا كتب السير أن أحدا تكلم بأن لبني قينقاع إخوة في الدين والملة في ذات المدينة، هم بنو قريظة وبنو النضير وورائهم في خيبر عدد وعتاد ولهم حلفاء من غطفان، وغطفان يومها غطفان. بل لم يتكلم أحد مطلقا.. لم تروي كتب السيرة سوى فعل، وهو حصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم حتى أجلاهم.
وتروي لنا كتب السيرة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذهب في عشرة من أصحابه لبني النضير يطلب منهم وفاء ما عاهدوه عليه، فغدروا وهمُّوا بقتله - صلى الله عليه وسلم - وحين علم بغدرهم وهو جالس تحت جدار بيت من بيوتهم قام ولم يتكلم، وأعد الجيش ولم يتمهل، وحاصرهم حتى خربت بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، وخرجوا منها أذلاء صاغرين.
وتروي لنا كتب السير أن الأخبار أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن خالد بن سفيان الهُذلي يُجَمِّع العرب في بطن عُرْنَة عند سفح عرفة على بعد خمسمائة كيلو متر من المدينة، فأرسل له رجلا (عبد الله بن أُنيس) من المدينة يسعى على قدميه فأخمد الفتنة. ولم نسمع كثيرا ولا قليلا من الكلام.
وغدرت قريش بعهدها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وراحت وجاءت وقالت وأكثرت، وما كان من الحبيب - صلى الله عليه وسلم -ـ إلا أن رد عليهم بفعل لا بقول... استنفر أصحابه وجمََََّع جيشه وفتح مكة.
وغدرت قريظة فذبحت، وقتلت غسان رسولَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فتحرك جيش مؤتة، وبنو المصطلق همّوا بالتَّجَهُز فوجدوا الخيل صباحا تشرب من مائهم.
هكذا... نعم هكذا.
لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ يتكلم كثيرا.
ولم يكن الباعث على هذا (التصرف الفعلي) من الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو كثرة العدد ووفرة العتاد، فقد كانت الحال حال... هو منهج الدعوة من يومها الأول"أنظر كيف بدأت،"يا أيها المدثر قم فأنذر""إن لك في النهار سبحا طويلا"."
فلم تكن فقط عملية وجادة مع المخالف وإنما أيضا في تربية الجماعة المؤمنة، كانت الدروس كلها عملية.
يذبح سبعين من الصحابة يوم أحد منهم الحمزة بن عبد المطلب ليتعلم القوم درسا من جملة واحدة"قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"