فهرس الكتاب
على أن قيمة الخطابة والمنبر لا تنبع من تماثيل براقة منتصبة عليه، وإنما العبرة بقيمة ما يقال، وقد أثنى النبي على قس بن ساعدة وهو القائل:
في الذاهبين الأولين
من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردًا
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها
يمضي الأكابر والأصاغر
أيقنت أني لا محالة
حيث صار القوم صائر
إذ قال النبي"يرحم الله قسًا. إني لأرجو أن يُبعث يوم القيامة أمَّة وحده".
كلمة وبيان وثورة ومؤتمر صلح
لقد فهم القدماء ما لهذا اللقاء الأسبوعي من قيمة في تبصير المسلمين بأحوالهم، ومعالجة مشكلاتهم الآنية الدينية والحياتية وفضح أعداء الأمة، فهي نفحة إيمانية وكلمة توجيهية، وهي مؤتمر صلح عند اشتعال الفتنة.
هذه هي خطبة الجمعة عند القدماء.. ليست ذنبًا أو عقابًا مفروضًا من الله كما يظن بعض الخطباء وكما يعبر عنه أديب العروبة والإسلام الرائد مصطفى صادق الرافعي في كتابه الرائع"وحي القلم"تحت عنوان"قصة الأيدي المتوضئة"، قال الراوي:"وصعد الخطيب المنبر وفي يده سيفه الخشبي يتوكأ عليه وكان السيف سنة قديمة ثم استبدل مع الزمان بسيف خشبي ثم انتهى تمامًا الآن فما استقر في الذروة حتى تخيل إليّ أن الرجل قد دخل في سر هذه الخشبة، فهو يبدو كالمريض تقيمه عصاه وكالهرم يمسكه ما يتوكأ عليه، ونظرت فإذا هو كذب على الإسلام والمسلمين صريح، كهيئة سيفه الخشبي في كذبها على السيوف ومعدنها وأعمالها".
وسائل للرقي بالكلمة:
ولما كان للخطابة من الأهمية ما لها منذ فجر الدعوة، ولما كان دور الكلمة له الريادة كان من الواجب لفت النظر إلى بعض الأمور التي ترتقي بدور الخطبة أو الكلمة أو اللقاء أو الندوة لتصويب الاتجاه ودعم الهدف المعول عليه من ورائها، وسنوجز هذه الأمور في عدة نقاط:
1 وضوح الدعوة: أى أن يعيش الخطيب فكرة الدعوة التي إليها يدعو الناس بروحه وعقله وجسده وأن تشغل وعيه وتملك جماع قلبه وتأخذ بلبه فتصبح نصرتها والعيش في محرابها هدفًا ساميًا.. وتصبح الدعوة إليه مطلبًا عزيزًا، إن إعداد نفوس المتلقين وشحنهم بعزيمة وهمة يحتاج إلى عزيمة أكبر وطاقة خلاقة نفتقدها كثيرًا..
ولعل في قصة الصحابي النبيل مصعب بن عمير أول سفراء الإسلام حين أرسله النبي ص إلى أهل المدينة، وهو لا يحمل إلا عقيدته الراسخة وإيمانه المتأجج وأسلوبه الخلاق المبدع أوضح مثال.
ولقناعته الشخصية أن دوره أن يبني لبنات الدولة الجديدة، وأن يمهد طريقًا ويفتح الأبواب المغلقة للعصبة المؤمنة كان ما كان لدعوته من تأثير وعجب.
وإن مما يساعد على شحذ همم الموهوبين من الدعاة ممن فقدوا الثقة في أنفسهم أن يتبصروا في إحداق المؤامرة بأبناء هذه الأمد وأن يروا كيف يعمل أعداؤها على محو هويتها وجرأة بعضهم على التعبير عن دعوته رغم باطلها.
2 تفرد الداعية: الخطيب أو الداعية يؤدي دور الأنبياء والصديقين والمصلحين في كل زمان في قضية التوجيه، وشاء أم أبى فهو محط الأنظار ومرجع الأفكار.. فلابد أن يكون كما قلنا مقتنعًا بما يدعو الناس إلى الاعتقاد فيه والعمل به. فالريادة في هذا الباب تنبع من القدوة الحسنة والمثل الأعلى الذي يضربه للناس، فلا يصلح أبدًا أن يأمر الناس بشيء ولا يأتيه أو ينهاهم عن شيء ويأتيه.
وفي الحديث الصحيح عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله ص قال:"يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحاء فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول بلى: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه"متفق عليه.. وتندلق أقتابه: أي تخرج أمعاؤه..
وشخصية الداعية أو الخطيب شخصية فريدة تجبر الآخرين على تبني فكرته في التغيير، فلا يذوب أو يتحلل في شخصيات الخطباء الآخرين أو يتحول إلى بوق أو ببغاء يردد أسلوبهم أو يتملق للناس بألفاظهم، وطريقة إخراج الحروف، ولكنه يفرض شخصيته أو كما كان يقول الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله -"أنت نسيج وحدك".. في كتابه الرائع جدد حياتك.. إن أيسر شيء على المقلد أن يفنى في شخصية من يقلده ومن واجبات الخطيب الداعية المعاصر أن يأخذ بيد المرضى والعصاة والجهلة وعبدة الدنيا بيد حانية رقيقة، فلا يبطش بالمسلمين فالبطش والعنف أثبت فشله وانصراف الناس عنه..
فلا يصح أن يقف خطيب على منبر يوجه الناس فيقول:"اتق الله لعلك تنجو.. ولست أراك ناجيًا"طبعًا هذا حدث بالفعل.
كما يجب أن يكون حال الداعية خيرًا من مقاله وسلوكه أوقع أثرًا من حديثه وأن يأسر الناس بأخلاقه حتى يحدث التفاعل والتغيير والارتقاء الذي من أجله شرعت الدعوة والخطابة.. وكم رأينا من خطباء ترتج الحلوق خلفهم بالدعاء ثم ينتهي كل شيء كأن لم يكن، نتيجة لفقدان المعايشة والقدوة خارج أسوار المسجد.
والعكس صحيح، فقل أن تجد داعية أو خطيبًا خلقه الصبر ومنهجه اللين والرفق ثم هو ناجح في حياته العامة والشخصية.. خدومًا للناس والمجتمع.. بسيط التكوين والطباع ثم تجده فاشلًا أو غير مؤثر فيمن حوله من الناس كافرهم قبل مؤمنهم.