فهرس الكتاب
3 سعة الاطلاع: أنت أيها الخطيب الداعية عندما تقف مستشرفًا فوق الجموع الغفيرة يجب أن تراعي أمورًا عدة.. منها أن هذا الجمع الغفير يضم فيما يضم أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعة ومدرسين وعلماء ومثقفين.. كل واحد من هؤلاء ينظر لك على أنك أرفع منه في العلم درجة.. وبما أنك تقف للناس في موقف التوجيه والتربية وهما أمران عظيمان يحتاجان إلى خصوصية في الفكر والمعرفة وسعة الأفق، فيجب عليك أن تقف على قدر معقول من الثقافة في مختلف العلوم قدر المستطاع.
المتابعة والمداومة على معرفة الجديد والمناقشة مع أهل الاختصاص في آخر الأخبار وأبعادها وتبصير المسلمين بما يحاك أو يدار خاصة مع القضايا المصيرية، قضايا المسلمين المستمرة والمتلاحقة، والمصيرية كالجهاد والصحوة الإسلامية وبث الأمل في وقت اليأس والتحذير والتنبيه في زمن الغفلة.
4 الموضوعية: من الأمور الخطيرة في الخطيب أو الداعية أن يعتمد منهج التهييج والإثارة الزائفتين وأن يعتمد على القصص التافهة لمجرد جذب الاستماع، وإنما عليه أن يلزم العقل والمنطق، فليس فيما ورد لنا من صحيح الأخبار أن الرسول وأصحابه والسلف الصالح اعتمد لفت الانتباه وهم أساتذته عن طريق الخرافات والهراء والإسرائيليات المغلوطة وفيما تركُوه لنا من تراث لو أتعبنا العقول والعيون في البحث والاستزادة منه.
إن المستمع والمتابع ليجد في الواقع وقصص الحياة ما يغنيه ألف مرة عن الإحماء الكاذب الزائف.
إذن فموضوعية الداعية تخرجه من حيز ضيق الأفق إلى سعة الدعوة وحقلها الممتد الوارف لكل البشر، وإن ترتيب الأفكار وجدية الطرح لأمر مهم، ومن الموضوعية أن يعطي كل أمر وكل قضية حجمها الطبيعي وأن يرتب الخطيب والداعية أفكاره وأولوياته حسب احتياج مجتمعه ومحيطه الخاص، فليس من المنطق أن يبدأ بالتكفير لتارك الصلاة و90% من المجتمع لا يصلون وإنما عليه التدرج فيبدأ من العقيدة الصحيحة وينتقل إلى العبادة السليمة ثم إلى الأصول فالفروع.
ومن الموضوعية عدم تحويل نقاط الخلاف إلى معارك من خلال المنابر أو التركيز على فئة أو شريحة ومخاطبتها كأن يخاطب المثقفين دون الجهال أو العكس.
ومن الموضوعية مناقشة الأقرب فالأبعد فإذا كان هناك حدث قريب من المجلة التي هم فيها فهو أولى بالطرح والعرض وإبداء الرأي الصحيح أو كما يقال: لكل مقام مقال وقد أوصى أبو بكر.. عمر - رضي الله عنهما - قائلًا:"إن لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار وإن لله عملًا بالنهار لا يقبله بالليل"أي أن يكون ميزان الحكم على الأمور هو المنطق لا شهوة الكلام أو الفعل.. وميزان الحكم هو ميزان الصواب والخطأ لا المزاجية..
ومن الموضوعية البعد عن التعصب البغيض أو الأخذ برأي مفرد وتجريم ما عداه وخاصة فيما يتسع به الرأي.
فنحن جميعًا جنود لهذا الدين العظيم وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل والشافعي والإمام مالك وتلاميذهم كلهم جنود مخلصون مجتهدون في الرأي لتوسيع ما ضاق، واختلافهم رحمة لنا وليس وبالًا علينا كما يحلو للبعض أن يصور..
5 التوثيق والدقة: هذا الأمر غاية في الخطورة والأهمية لأنه يعني بكل بساطة الثقة أو عدمها فيما يقول الخطيب أو الداعية فإما الانصراف عن كل شيء إليه أو الاشتغال بكل شيء عنه.
فهناك دعاة وخطباء لا يعرفون بل يجهلون معنى التوثيق والتدقيق لكل ما يسردون بل ربما لجأ إلى الاختراع أو التأليف أو التلفيق لمجرد جذب الانتباه.
إن عدم التوثيق العلمي للأرقام والتواريخ ورواية الأحداث والأسماء أمر غاية في الخطورة ومزلق شديد وقلَّ أن تجد من يقول لك إن هذا القول محض ظن أو رأي لبعض العلماء أو أن هذا التاريخ تقريبي أو أن الرقم مشكوك فيه بل يطلق الأرقام والأسماء بلغة الواثق المسيطر على الأوضاع فيخرج الناس ليقرأوا بالكتاب أسماء وأرقامًا وروايات أخرى!.
إن ثقة البسطاء بل والمثقفين في شخصك أيها الخطيب أو الداعية تحملك أمانة الصدق فيما يدخل هذه العقول، واحترامك لدعوتك يفرض عليك احترام عقول الناس.
وأذكر أنني حضرت جمعة لخطيب ظل يتكلم طيلة الخطبة عن"هرقل"ملك ألمانيا الذي أهلك اليهود عن بكرة أبيهم وكلما شككت في أذنى أعاد نفس الاسم. فهو يجهل الفرق بين هتلر الزعيم النازي الأشهر وهرقل الملك الروماني الطاغية.
إن توثيق الروايات خاصة فيما يتعلق بصدر الإسلام يحتاج إلى تنقيح وحرص شديدين لأنه يمس العقيدة أيضًا وما قد نتقبله في الأمور الاعتيادية من خطأ غير مقصود أو أمور تضاربت بها الآراء لا ينبغي في حضرة صدر الإسلام الأول، والأولى إن لم نتأكد من صحة الرواية وخلوها من عوامل البلبلة والحيرة ألا تروى أصلًا.
6 المنهجة: إن الخطيب يجب أن يسأل نفسه كلما صعد المنبر: لماذا أنا هنا ولماذا يفرض الإسلام على هؤلاء الناس الاستماع والإنصات ويشدد تشديدًا لا نجده إلا في الحث على الإنصات لكلام الله؟ إذا أجبت على هذا السؤال فبقي أن تعرف أن عليك في كل مرة تصعد فيها لتكلم الناس أن تضيف إليهم شيئًا جديدًا أو تبين لهم أمرًا قديمًا.
ومنهج الإسلام في الوعظ مميز فهو منهج عاقل مبصر، لا يعتمد على رجل واحدة أو يتبنى مبدأ (قل كلمتك وامش) ..