الصفحة 2078 من 3812

• عن حنظلة الأسيدي رضي الله عنه - وكان أحد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: (لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة في فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات) . [رواه مسلم] .

ثانيًا: إمكانية حدوث الخطأ من الداعية

• داعية اليوم - لن يكون - أفضل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين وقعت منهم الذنوب والمعاصي، صغيرها وكبيرها، ثم تابوا عنها.

• إن حدوث الذنب من الداعية هو من طبيعة البشر، ولكن المصيبة هي الإصرار على الذنب، وعدم التوبة منه.

• قال تعالى في معرض وصفه للمتقين: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } آل عمران135.

• وقد قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله تعالى، فيغفر لهم) . [رواه مسلم] .

ثالثًا: أصناف المخطئين

حينما نتعرض للحديث عن أخطاء الدعاة، يجب أن نفرق بين صنفين:

الصنف الأول: الذين يُقبلون على الذنب ويقارفونه عن عمد وإصرار.

• يظهرون أمام الناس بصورة الأتقياء الورعين العابدين.

• إذا خلوا بأنفسهم، أتوا المعاصي والمنكرات.

• هذا هو الصنف الذي يقصده النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لأعلمنَّ أقواما من أمتي، يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورا، أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) . [رواه ابن ماجة، وإسناده صحيح] .

• في هؤلاء يصدق قول الله عز وجل: {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ } البقرة9

الصنف الثاني، الذين لا يتعمدون المعصية ولا يُبيِّتون النية لإتيانها.

• تقع المعصية منهم عَرَضًا نتيجة لحظة ضعف بشرية.

• ثم إنهم إذا أتوا المعصية لا يصرون عليها، بل يسارعون إلى التوبة والاستغفار منها، ويظل إحساسهم بالتقصير يؤرقهم، ويغتمون، ويصيبهم الهم الكبير.

• وما دام هناك إحساس بالذنب، ولوم من النفس، وأرَق وهَم وغَم من المعصية؛ فتلك علامات خير، تدل على حياة القلب وإيمانه.

رابعًا: ما يجب على الداعية فعله إذا وقع في معصية:

1.أن يجتهد في الإقلاع عن هذا الذنب ولا يصر عليه، ويتوب إلى الله عز وجل، وقد وعد الله عزَّ وجلَّ بقبول توبة التائبين، وغفران ذنوب المسيئين.

2.ألا يستصغر هذا الذنب ولا يستهين به؛ يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا.

3.ألا يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه، فإنما ذلك يكون بسبب أمنه من مكر الله، وجهله بمكامن الغرور بالله.

4.ألا يرتكب المعصية أمام الناس؛ فإنه إذا فعل المعصية على أعين الناس الذين يعرفونه ويقتدون به، كبُر ذنبه وعظم، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ويل للعالم من الأتباع؛ يزل زلة فيرجع عنها، ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق، ولهذا السبب ضاعف الله عز وجل لنساء النبي صلى الله عليه وسلم عذابهن إذا أتين بفاحشة مبينة، كما ضاعف لهن أجرهن إذا قنتن لله وعملن صالحا، يقول عز وجل { يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا30} وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا {31} يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا {32} [الأحزاب: 30- 32] .

5.أن يستر هذا الذنب أو العيب ولا يفشيه ولا يتحدث به لأحد، حتى لا يحرك رغبة الشر ونوازع المعصية، ويعين الشيطان على السامع أو من يصله هذا الكلام، وليس هذا من الرياء أو النفاق.

6.قد يخيِّل الشيطان للداعية أن في تحدثه بذنبه تواضعا وتحقيرا لنفسه؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه) [رواه البخاري] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت