الصفحة 2218 من 3812

في الصراع بين الكفر والإيمان، فما يعتلج في العالم اليوم من مشكلات مدمرة هو بسبب هاتين الملتين، اللتين تقودان العالم نحو الدمار ، اليهود والمغضوب عليهم، قتلة الأنبياء، ومصدر الفساد والشرور، والنصارى الضالون، الذين هم الروم ذات القرون، كلما هلك منهم قرن أتى قرن ، ويقف أمام هؤلاء وأولئك أهل ملة الإسلام ، فالصراع باختصار هو بين ملة الإسلام التي تُمثِّل (الحق المُنزَّل) والدين المُكمَّلَ ، وبين هاتين الملتين الضالَّتين المُضِلَّتين .

ونظرة فاحصة لما يمور في العالم اليوم من حروب ومآسٍ ، ومصائب وكوارث ، وفسادٍ خلقّيٍ واقتصاديٍ ،

وظلمٍ وطغيانٍ ، تجد وراءه اليهود والنصارى .

والناس كشأنهم في كل زمان الغالبيةُ الغالبةُ والسوادُ الأعظمُ منهم واقعون في براثن هؤلاء المفسدين .

فهم سائرون من ورائهم كالعميان يقودنهم إلى المصير المحتوم ، ومما يزيد من فداحة الأمر أن الشهوات والغرائز كلها تحث الناس على اندفاع في طريق الدمار، والاستسلام لحبائل المفسدين ، بينهما طريق النجاة محفوفة بالعوائق المكاره وتكاليفها شاقة ، وعبئها ثقيل ، فلذلك كثر الهالكون وقلَّ السالكون ، فاللهم اجعلنا من القليل .

وهذا يبين عظم شأن هؤلاء القليل الناجين الذين سَمَتْ عقولُهُم وفِطَرُهُم ونفوسُهُم وعزائُهُم عن الاستسلام

لما استسلم له الأكثرون، فسَلِمُوا بذلك من التردِّي في الوهدة التي تردَّي فيها الهالكون .

رمضان فرصة للتغيير

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فالأيام تمر مر السحاب، وتمضي السنون سراعًا، وجلنا في غمرة الحياة ساهون ، وقل من يتذكر أو يتدبر واقعنا ومصيرنا مع أننا نقرأ قول الله تعالى: (( وَهُوَ الَذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) ) (الفرقان: 62) .

والمسلم في عمره المحدود وأيامه القصيرة في الحياة قد عوضه الله تعالى بمواسم الخير، وأعطاه من شرف الزمان والمكان ما يستطيع به أن يعوض أي تقصير في حياته إذا وفق لاستغلالها والعمل فيها، ومن تلك المواسم: شهر رمضان المبارك .

يقول الله تعالى: (( يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) (البقرة: 183) .

(إنه نداء رباني حبيب لعباده المؤمنين يذكرهم بحقيقتهم الأصيلة ، ثم يقرر بعد ذلك النداء: أن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين، وأن الغاية الأولى هي إعداد القلوب للتقوى والخشية من الله، هكذا تبرز الغاية الكبرى من الصوم.. والتقوى هي التي توقظ القلوب لتؤدي هذه الفريضة طاعةً لله وإيثارًا لرضاه.

والمخاطبون بهذا القرآن من الرعيل الأول ومن تبعهم بإحسان يعلمون مقام التقوى عند الله ووزنها في ميزانه، فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم، وهذا الصوم أداة من أدواتها وطريق موصل إليها) .

ولهذا الشهر الكريم من الخصائص التي ميزه الله بها دون غيره من الشهور ما يساعد على أن يكون فرصة لزيادة معدلات التغيير والتصحيح في حياة كل فرد، بل في حياة الأمة جمعاء، يقول الرسول: (( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وسلسلت الشياطين ) ) (اخرجه الترمذي) ،

وفي رواية أخرى: (( إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة ) )

هذه الفرصة العظيمة سانحة في هذا الشهر المبارك حيث تصفو النفوس، وترق القلوب، فيؤوب العباد إلى ربهم ويقومون بين يديه.

وليعلم كل منا أنه يساهم بقسط وافر في تردي الحال وتأخر النصر إذا لم ينتهز فرصة رمضان لزيادة رصيده من الصالحات، وتصفية ما عليه من الآثام، حيث هو لبنة في بناء الأمة التي وعد الله بتغيير واقعها إلى أحسن وحالها إلى أفضل إن هم غيروا ما بأنفسهم: (( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) (الرعد: 11) .

ما أحوجنا معشر المسلمين كافة إلى وقفة محاسبة، كل منا مع نفسه في هذه الأيام الفاضلة، نراجع أحوالنا لا سيما من أسرف وفرط في جنب الله ومن قصّر في حق أهله أو حق من ولاه الله رعايته، ومن زلت به القدم وفرط في حقوق إخوانه المسلمين فلم يسلموا من أذاه.

إنها فرصة لأن يتساءل فيها كل منا مع نفسه: حتى متى يبقى ضالًا عن صراط الله المستقيم، وهو يعلم أن الطريق الصحيح هو ما دعا إليه البشير النذير وأن خلافه ونقيضه هو الضلال المبين؟، لماذا أكون (( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا ) ) [النحل: 92] ؟!.

إن الاستمرار على الحق والعض عليه بالنواجذ، والعودة إلى رحاب الله، وترك ما ألفته النفس من لهو وهوى قد يكون الفكاك منه صعبًا كما قال الشاعر:

النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

لكنْ لا بد من إرادة قوية واستشعار لواجب التغيير، وبخاصة إذا آمنا إيمانًا جازمًا أننا معرضون للخطر وسوء الخاتمة إن لم يتداركنا الله برحمته، فما أحوجنا إلى الصبر والمصابرة حتى نلقى الله وهو عنا راضٍ.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن من ورائكم أيامًا الصابر فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين، قالوا: يا رسول الله خمسين منهم أو خمسين منا؟ قال خمسين منكم ) ) [رواه أبو داود] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت