الصفحة 2289 من 3812

لقد أخذ الله أممًا بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله ويتذللون له وينزلون عن عنادهم واستكبارهم ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة فيرفع الله عنهم البلاء ويفتح لهم أبواب الرحمة لكنهم لم يفعلوا ما كان حريا أن يفعلوا ، لم يلجؤا إلى الله ولم يرجعوا عن عنادهم (( وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) ).

إن الله عز وجل يحذر عباده من مكره وبطشه: (( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ) ). (( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) ).

إن سنة الله لا تتخلف ومشيئة الله لا تتوقف فما الذي يؤمّنهم أن يأخذهم الله بذنوبهم كما أخذ من قبلهم وأن يطبع على قلوبهم فلا يهتدوا بعد ذلك بل لا يستمعوا إلى دلائل الهدى ثم ينالهم جزاء الضلال في الدنيا والآخرة

إلا أن مصارع الخالين قبلهم ووراثتهم لهم وسنة الله الجارية ، كل أولئك كان نذيرًا لهم أن يتقوا ويحذروا وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب والاستهتار السادر والغفلة المردية وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم عسى ألا يكونوا منهم لو كانوا يسمعون.

إن الله عز وجل لا يريد بهذا التحذير أن يعيش الناس فزعين قلقين يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار فالفزع الدائم من المجهول والقلق الدائم من المستقبل وتوقع الدمار في كل لحظة قد تشل طاقة البشر وتبددها وقد تنتهي بهم إلى اليأس من العمل والنتاج وتنمية الحياة وعمارة الأرض، إنما يريد الله منهم اليقظة والإحساس والتقوى ومراقبة النفس والعظة بتجارب البشر وإدامة الاتصال بالله وعدم الاغترار بطراءة العيش ورخاء الحياة .

ولقد سلف من المؤمنين بالله المتقين سلفٌ ما كان يأمن مكر الله وما كان يركن إلى سواه وكان بهذا وذاك عامر القلب بالإيمان مطمئنًا بذكر الله قويًا على الشيطان وعلى هواه مصلحًا في الأرض بهدي الله لا يخشى الناس فالله أحق أن يخشاه.

وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يدفع، ومن مكر الله الذي لا يدرك ،لندرك أنه لا يدعو إلى القلق إنما يدعوا إلى اليقظة ولا يؤدي إلى الفزع إنما يؤدي إلى الإحساس ولا يعطل الحياة إنما يحرسها من الاستهتار والطغيان.

يا مسلمون: تذكر الأخبار أن الطاغية الرئيس الأمريكي ومنذ بدء الحرب على العراق لم ينقطع عن الكنيسة يصلي ويدعو لجنوده ، أفيكون خنزير جائر كافر أولى باللجوء على الله من أهل التوحيد ، فأين دعوتكم وأين عودتكم ، وأين دعاؤكم ؟

يا مسلمون: لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا وإن عقاب الله لا يدفع بقوة مادية ولا بجهود بشرية والفتن لا تدرأ بالحيل ولا بالتمادي.

إنما يُدفع العذاب وتُدرأ الفتن بالالتجاء إلى الله والعودة لدينه والدعوة لشريعته وليس لها من دون الله كاشفة ولا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، والعبادة في الفتن ملجأ المتقين وملاذ المؤمنين. (( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ) (( قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ) ).

أقول هذا القول ....

الخطبة الثانية

أما بعد:

كان صاحبي يتكلم عن مآسي المسلمين ويتابع أحوالهم ويوزع المسؤوليات ويعلق الأحوال المريرة بتقصير هذا الحاكم وضعف ذاك العالم فقلت: له يا هذا أنا وأنت من يؤخر النصر عن هذه الأمة،بل نحن الرئيس في كل البلاء الذي نحن فيه.

فقال لي يا أخي:كيف ذاك وأنا عبد ضعيف لا أملك سلطة ولا قوة، لو أمرت المسلمين ما أتمروا ولو نصحتهم ما انتصحوا ؟ فقاطعته قائلًا:إنها معاصينا التي بارزنا الله به ليلًا ونهارًا ، إنها زهدنا عن الواجبات وحرصنا على الملهيات .

يا أخي: لو جلست أعد لك ما نفعل لطال بنا المقام وإني لسائلك مثلًا: هل أنت ممن يصلون الفجر في جماعة ؟ فقال: نعم أحيانًا، وتفوتني مرارًا، فقاطعته قائلًا: هذا هو التناقض بعينه، كيف تدعي قدرتك على الجهاد ضد عدوك وقد فشلت في جهاد نفسك أولًا في أمر لا يكلفك دمًا ولا مالًا لا يعدو كونه دقائق قلية تبذلها في ركعتين مفروضتين من الله الواحد القهار.

كيف تطلب الجهاد وأنت الذي تخبّط في أداء الصلوات المفروضة وترك صلاة الجماعة وضيّع السنة الراتبه ولم يقرأ ورده من القرآن ونسي أذكار الصباح والمساء وخاض في الغيبة وعق والديه ولم يصل أرحامه، واستمرأ النظر إلى محرمات في صحف أو شاشات وأدخل المفسدات وقصر في واجب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانشغل بالملهيات.

كيف تطلب تحكيم شريعة الله غي أرضك وأنت لم تحكمها في نفسك وبين أهل بيتك فلم تتق الله فيهم ولم تدعهم إلى الهدى وتبعدهم عن المحرمات ولم تطعمهم من حلال، ولم تغرس في قلوبهم عظمة ذي الجلال .

فقال لي محدثي: ومال هذا وتأخير النصر، أيتأخر النصر في الأمة كلها بسبب واحد في المليار؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت