فهرس الكتاب
ومن نوح إلى أبي الأنبياء إبراهيم ( صلى الله عليه وسلم ص ) ،وقد شهدت آيات القرآن في غير موضع على محاولات إبراهيم ( صلى الله عليه وسلم ص) في دعوة أبيه إلي الحق، والترغيب مرة ، والترهيب أخرى، معاطفة النبوة حينًا، وتأكيد حقوق الأبوة حينًا، ويعرض الحجج، والبراهين ، واستخدام كل وسيلة ممكنة في الحوار..ولكن دون جدوى، وظل الابنُ البار يستغفر لأبيه ] وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدوُُ لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (التوبة /114) .
ومن بعد إبراهيم ( ص صلى الله عليه وسلم ) جاء الثناء في القرآن على إسماعيل ( ص صلى الله عليه وسلم ) عدة خصال كان من بينها اجتهاده في الدعوة، والنصح لأهله ] وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة…ومن أنبياء بني إسرائيل تشير إلى موسى ( صلى الله عليه وسلم ص) الذي سأل ربه أن يجعل له وزيرًا من أهله على تبليغ الخير والذكر والشكر لله] هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا (طه /30 _34)
إنها سير الأنبياء تؤكد الدعوة في العشيرة و الأقربين .
أما محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، والذي كانت رسالته عامة للناس أجمعين، فقد أمر بدعوة العشيرة و الأقربين ]وأنذر عشيرتك الأقربين (الشعراء /214)
وقد امتثل رسول الهدى ( ( صلى الله عليه وسلم ر الأمر، وقام بالمهمة خير قيام، أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال:(( قام رسول الله( صلى الله عليه وسلم ص ) حين أنزل الله ] وأنذر عشيرتك الأقربين قال يا معشر قريش _ أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا ، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا ، ويا صفية عمة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ص ) لا أغني عنك من الله شيئًا ، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا )) ( الصحيح مع الفتح 8/501ح4771)
وفي رواية أخرى عند الطبراني من حديث أبي أمامة أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حين نزلت عليه الآية جمع بني هاشم، ونساءه وأهله فقال يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار،واسعوا في فكاك رقابكم،يا عائشة بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة….الخ ) وهذه القصة- إن صحت - دلت على تكرار عرضه ودعوته لأهله وعشيرته - من جانب - ودلت على تأخر هذه القصة الأخيرة - حتى حضرت نساؤه - من جانب آخر - ( انظر الفتح8 /502 ) .
ويضيف ابن اسحاق في روايته أن المدعوين كانوا أربعين - يزيدون قليلًا أو ينقصون - وأنه صنع لهم شاة على ثريد وقعب لبن .. ( الفتح 8/503) .
عباد الله ولم تكن دعوته ( صلى الله عليه وسلم ص) لأهله وعشيرته لتمر دون مشقة أو أذى ، وهو الرسول المبلغ عن ربه - ويكفيك أن تعلم رد ( عمه أبي لهب ) ، حين سخر منه ومن دعوته قائلًا (تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، فنزلت الآية ] تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب(صحيح البخاري ح 4770) أجل إن الاهتمام بدعوة العشيرة الأقربين في القرآن ، وسير الأنبياء عليهم السلام مؤشر إلى أهمية ومكانة الأسرة في دين الله، فهي محل عناية الإسلام ، وهي في المجتمع المسلم ذات مكانة تنفرد بها عن سائر المجتمعات الأخرى.
حيثيات دعوة العشيرة
وهنا يرد السؤال:
دعوة الأقربين لماذا ؟ لماذا نتحدث عن دعوة العشيرة ؟
هناك عدة أمور، وحيثيات تؤكد الدعوة في العشيرة ومنها:
1)لأن ذلك جزء من الدعوة المأمور بها شرعًا، والمثاب عليها ] ادع إلى سبيل ربك ،] ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا ، ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون
2)ولأنها حق من حقوق الأقربين.. أو ليست صلتهم مشروعة ؟
إن من أعظم صلة الأقربين بيان الخير لهم، ودعوتهم إليه ، وتحذيرهم من الشر ، ومنعهم من الوقوع فيه.
3)ولأنها أمر إلهي لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ] (وأنذر عشيرتك الأقربين ، وإذا جاء الأمر لمن أرسل للناس كافة بدعوة عشيرته الأقربين ، فكيف بغيره ، ومن المعلوم أن الخطاب لرسول الله( صلى الله عليه وسلم ص ) - في الغالب - خطاب لأمته من بعده .
4)بل الدعوة للأقربين منهج للأنبياء السابقين ، عاشوا همها ، ومارسوا وسائلها ، وعالجوا بالدعوة أقاربهم ، ولم يكلفوا بهدايتهم ، ولا يضيرهم إ ن لم يستجيبوا لهم ، فالمهمة الكبرى هي البلاغ ، والدعوة حصلت لهم ، وفي قصة (نوح ) ، أو ( إبراهيم) ، أو (إسماعيل) ، و (محمد صلى الله عليهم وسلم ) ، أو غيرهم ما يؤكد دعوة الأقربين.
5)وهي كذلك لاتباع المرسلين الذين ما فتأوا يدعون قومهم ،وعشائرهم حتى وإن نالهم من الأذى ما نالهم ، وفي قصة(مؤمن آل فرعون ، أو صاحب ياسين ، أو جيل الصحابة ، ومن تبعهم بإحسان ما يؤكد الدعوة إلى العشيرة الأقربين.
6)والحاجة تدعوا ، والواقع يشهد بالضعف في هذا الجانب فكم من داعية ، أو خير يفيد الناس ، ونفعه لأسرته أقل ، وكم من غني يهتم بالفقراء ، وقد يكون في أسرته من هو أحوج ، وقد يوجد في العائلة شيخ كبير له مكانته، أو طالب علم له أثره، أو داعية له حضوره في المجتمع - وقد لا تحس لهذا ، أو ذاك أثرًا في عشيرتهم ، ولا تسمع لهم ركزًا في الأقربين منهم ؟
والأمر أخطر حين تظهر في بيوت الدعاة ، أو طلبة العلم ، أو الخيرين عمومًا من المنكرات ما قد يُجاهد العامة ألا تقع في بيوتهم .