فهرس الكتاب
وفي صحيح البخاري باب قصة دوس و ( الطفيل بن عمرو الدوسي ) ، وبه ساق الحديث عن (( أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء( الطفيل بن عمرو) إلى النبي ( ص ) فقال: إن دوسًا قد هلكت ، وعصت ، وأبت فادع الله عليهم ، (فقال اللهم اهد دوسًا وائت بهم ) ) ( الصحيح مع الفتح 8/101ح 4392 ) ولعل ما في كتب السير، والطبقات شرح ، وتفصيل لقصة ( الطفيل ) مع قومه ومعالجتهم بالدعوة والدعاء حتى دخلوا في الإسلام.
3-أيها المؤمنون أما النموذج الثالث فيمثله ( أبو ذر الغفاري ) رضي الله عنه، وفي قصته يظهر حرص النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على دعوة العشيرة ، وتوظيف الرجال في دعوة قومهم ، كما يظهر فيها جدية الصحابة في الدعوة واستجابتهم للأمر ، ويظهر فيها من جانب ثالث نموذج لاستجابة العشيرة للدعوة ، بل وتأثر القبائل المجاورة ، وانتفاعهم بدعوة الخير .. ودونكم هذه المعاني كلها في الرواية - في صحيح مسلم - لإسلام أبي ذر ودعوة قومه حين قال له النبي (ص صلى الله عليه وسلم ) ( هل أنت مبلغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك ويأمرك فيهم ) قال أبو ذر: فأتيت ( أنيسًا ) ( أخي ) فقال: ما صنعت ؟ قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت قال: مابي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت، فأتينا أمَّنا، فقالت: ما بي من رغبة عن دينكما ، فإني قد أسلمت، وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا ( غفارًا) فأسلم نصفهم ، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ص ) المدينة أسلمنا ، فقدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة ، فأسلم نصفهم الباقي ، وجاء ( أسلم ) فقالوا يا رسول الله: إخوتنا نُسلم على الذي أسلموا عليه ، فأسلموا فقال: رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله ) ( صحيح مسلم ح 2473،4/ 1922) .
4-أيها الدعاة في عشائرهم وقد بلغ الحرص ، والتضحية في سبيل دعوة الأقربين عند هؤلاء الصحابة بأن باعوا أنفسهم لله ، وبلغوا منازل الشهداء حين قضوا نحبهم في سبيل الله هذه الغاية النبيلة.
و ( عروة بن مسعود الثقفي ) (رضي الله عنه .. شبيه صاحب ياسين ، وأحد الأكابر في قومه، وبه شبه من عيسى( صلى الله عليه وسلم ر) ، كما في رواية مسلم حين عرض الأنبياءُ على محمد ( صلى الله عليه وسلم ص ) - نموذج لهذه التضحية أخرج الحاكم - بسند حسن - أن عروة حين أسلم استأذن رسول الله ( e ) أن يرجع إلى قومه، فقال له:إني أخاف أن يقتلوك قال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني ، فأذن له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فرجع إلى قومه مسلمًا ، فقدم عليهم عشاءً فجاءته ثقيف فدعاهم إلى الإسلام فاتهموه ، و عصوه ، و أسمعوه ما لم يكن يحتسب ، ثم خرجوا من عنده حتى إذا أسحروا، أو طلع الفجر قام عروة في داره فأذن بالصلاة وتشهد ، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( مثل عروة مثل(صاحب ياسين) ، دعا قومه إلى الله تعالى فقتلوه ) ( المستدرك 3/ 615، 616 وسكت عنه الذهبي ) وحسنها ( الشنقيطي ) في كتابه: الدعوة إلى الله صـ99 - وأضاف عليها أن عروة قال: حين أرادت عشيرته أن تثأر له - لا تقتلوني فقد تصدقت بدمي على صاحبه لأصلح بينكم ، فهي كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله لي.. ثم قال فإذا أنا مت فادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله (ص ) قبل أن يرتحل عنكم.. وأشهد أن محمدًا رسول الله وقد أخبرني بذلك.. ))
5-يا أخا الإيمان ويا من هو كلف وحريص على دعوة الأقربين أختم لك هذه النماذج بأحد أدعية العلم، حافظ السنة للأمة وناقلها ومبلغها عن محمد ( ص ) ، الغلام الدوسي ، والبار بأمه ، أبي هريرة رضي الله عنه ، وخبره وقصته في دعوة أمه جاءت في صحيح مسلم وغيره ، (( حيث قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله(ص ) ما أكره ، فأتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ص ) ، وأنا أبكي، قلت يا رسول الله: إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم (أبي هريرة ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اللهم اهد أم أبي هريرة ) فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ( صلى الله عليه وسلم ص ) ، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة - و اغتسلت وقالت أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدًا رسول الله، فأتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا أبكي من الفرح، قال فقلت: أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى الله أم ( أبي هريرة) ، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا )) ( صحيح مسلم ح 2491 ح4/1939 ) .
معاشر السامعين إنها نماذج- في دعوة العشيرة و الأقربين تستنهض الهمم ، وتقوي العزائم ، وتؤكد أهمية الأمر ، تستسهل الصعب ، وتمثل الطموح، وتشهد على علو الهمم ، والأثر الخالد في الأسرة والعشيرة ، والقبيلة. أجل إن أثرًا يحتفي به التاريخ منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام ، لجدير بالوقفة ، والتأمل والاهتمام ، وكم نحن بحاجة على امتداد الزمان ، واختلاف المكان ، إلى نوعية كهذه النماذج تضيء الطريق للسالكين ، تحرس الفضيلة في الأسرة ، وتوصد الأبواب أمام المتسللين لنشر الرذيلة ، تشجع الخير، وتبعث الأمان ، وتقاوم الشر ، وتسد أبواب الفتن ، وتحذر من آثار المغريات ، ولسان أصحابها يقول:
]يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد ، ]يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار . ( غافر/ 38،39 )
معالم مضيئة في دعوة العشيرة والقبيلة