الصفحة 2303 من 3812

وحين نذكر هذه النماذج من السيرة ، والنماذج قبلها من المرسلين ، وأتباعهم في دعوة الأقربين نتوقف هنيهة لنخطف بعض المعالم المضيئة في دعوة العشيرة لتنير لنا الطريق، ونتيح الفرصة لكل من وقف ، أو استمع إلى النماذج لاستخراج معالم أخرى .

ومن هذه المعالم:

1)حسن الأدب، وجمال العبارة في الدعوة ] يا بني اركب معنا ،] يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ، (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )، ] يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين .

2)الصدق في الدعوة وبيان الحق للمدعوين . ] يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويا .

]يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون . ] وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع و إن الآخرة هي دار القرار .

3)التخويف من عذاب الله وبأسه ، وتغير الحال ، وسوء العاقبة:

]يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا

]وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد . ( غافر29- 33) .

وقال ( صلى الله عليه وسلم ص ) - يا (عباس) - يا (صفية) ، ويا ( فاطمة) .. لا أغني عنكم من الله شيئًا.

4)الصبر في ذات الله ، وتحمل الأذى.. فرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ص) أساءت إليه عشيرته حين دعاهم وقال (أبو لهب) قولته الآثمة (( تبًا لك ألهذا جمعتنا.. ) )ومع ذلك صبر وأصر على دعوتهم حتى هدى الله منهم من شاء الله له الهداية ، ومن أصحابه من استشهد ، وهو يدعوا عشيرته للإسلام، بل ومن الأنبياء السابقين من كُذب أو قتل .

5)عدم اليأس من الاستجابة.. فنوح عليه السلام دعا ربه مستفهمًا عن حال ابنه- بعد الغرق- ] إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين .وما كف حتى قيل له: انه ليس من أهلك.

و (إبراهيم ) ظل يستغفر لابنه حتى إذا تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ] إن إبراهيم لأواه حليم ( التوبة ) .

و (محمد) صلى الله عليه وسلم ظل يدعوا عمه ( أبا طالب ) ، وهو يحتضر حتى خرجت روحه ولم يسلم ،

و (الطفيل) ظل يعالج قومه حتى استجاب له عدد منهم ، و ( أبو هريرة ) بكى من أجل دعوة أمه مرتين.

6)سلاح الدعاء مع الأقربين.. استخدمه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ص ) مع دوس فاستجاب له ودعا به ( لغفار فأسلمت ، و طلبه(أبو هريرة ) في الدعاء لأمه فأسلمت.. وعلى الدعاة أن يرفعوا أكف الضراعة لربهم كلما اشتدت عليهم الأحوال أو تلوّم قومهم عن الاستجابة لهم ، ولربما كان الدعاء أقصر الطريق للاستجابة.

7)الكرم والوفاء ، وحسن الخلق .. والكرماء يملكون الناس بكرمهم ، وأصحاب الخلق يأسرون الناس بحسن خلقهم ويضطرونهم للاستماع إلى آرائهم ، و طروحاتهم فليحرص على هذا .

8)ومن المعالم المضيئة - في دعوة العشيرة و الأقربين - أن الدعوة للإسلام والمكوث بين ظهراني العشيرة ، والقبيلة لدعوتهم ، وتوجيههم ضرب من ضروب الجهاد في سبيل الله ، موت الصحابة لأجله شهود المشاهد الفاضلة مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ص ) ويكفي برهانًا لأهمية الدعوة ، والحرص على هداية العشيرة أن يغيب ( بلال، والطفيل ) رضي الله عنهما عن غزوة ( بدر، وأحد ) بل ويغيب (الطفيل) عن ( الخندق ) كذلك، ولم أقف على لوم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ص ) لأحد منهم، بل إن (عمر رضي الله عنه ألحق(أبا ذر) بأهل بدر - وإن لم يشهدها - ( الإصابة لابن حجر 11/121،122) .

وأين هذا مما يضنون على قبائلهم وعشائرهم بما هو أقل من هذا ؟

9)ومن المعالم استثمار الوجاهة في العشيرة للدعوة لدين الله ، وتعظيم حرماته ، وتوجيه سلطان القبيلة في التحذير عن الحرمات ، والخوف من بأس الله ، فذاك الاستثمار الأمثل .. ولا ينبغي أن تنتهي طموحات أصحاب الوجاهة في القبيلة عند حدود تصدر المجالس ، والرغبة في الأمر والنهي ، أو الظهور في مواطن الفخر ، والخيلاء لأغراض ، ومصالح لا تتجاوز حدود الدنيا.

10)ومن المعالم أن يتحسس الداعية ما في عشيرته من أخطار ، ومخالفات لهدي الإسلام فيعنى بها ، ويحرص علي تخليص قومه منها ، وهذا ( الطفيل) همّه انتشار الزنا والربا في دوس وما زال يتابع ، ويلح حتى كان سببًا في دعوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ص ) لهداية دوس فكان الدعاء ، وكانت الاستجابة بإذن الله. ( الذهبي:السير1/346 ) .

11)ومنها أن الناتج ، والثمرة من دعوة العشيرة ، والقبيلة كبير.. ولك أن تتصور ثمانين بيتًا ، أو يزيدون يسلمون ، ويتحولون من الجاهلية إلى الإسلام ، وأعظم من ذلك القبيلة بأسرها تُسلم بدعوة فرد ، أو أكثر رجالاتها الصادقين المخلصين، بل ويسلم بإسلامها قبيلة أخرى مماثلة لها .

نعم أن هناك فرقًا بين دعوة قوم كافرين للإسلام ، وبين الدعوة في أسر ولد أفرادها ، وعاشوا في الإسلام.. ولكن من الأسر المسلمة إذا اجتاحها الشيطان ، وتكاثرت عليها الفتن ، وتكالب عليها الأعداء، و بدأ الانحراف يخلخل عِقد الأسرة ويصيب رجالها ونساءها ، صغارها و كبارها.. وبات الضعف يسري في الأخلاق ، والقيم - من لهذه الأسر غير الدعاة الناصحين.. وهل يسوغ للناصحين من أبناء العشيرة ، والقبيلة أن يتخلوا عن واجبهم مع الأقربين ، وهم يمارسون الدعوة مع الأبعدين ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت