الصفحة 2564 من 3812

وهذا يعني بذل النفس والنفيس في سبيلها، وعدم الاكتفاء بالكلام وترديده فإن هذه علامة التناقض وعدم الحرص، ومن ذلك أن تجد:"أننا نظهر الاهتمام في الأمر ونحن في أعماق نفوسنا معرضون عنه كارهون له، ولا يستطيع الأكثرون أن يصلوا إلى إدراك ما هو مستقر في أعماق نفوسنا ولذلك يأتون بالأمور المتناقضة ولا يشعرون".

ونجاح الداعية لا يكون إلا بإخلاصه لدعوته، (فإن العامل الأساسي للنجاح ليس هو كثرة علم الداعية ولا قوة بيانه وسحره، ولكن هنالك عاملا قبل كل هذه الأمور: هو الإيمان بالدعوة التي يدعو إليها، والخوف الشديد مما يعتريها والشعور بالأخطاء التي تقع بسبب إهمال الدعوة، إن مثل هذا الإنسان يصبح بالناس ويترك أقوى الآثار ولو كان أبكم) ..

ولذا يحسن بنا أن نتذكر دائما أنه (إنما يوصل الداعية إلى غايته: شغفه بدعوته وإيمانه، واقتناعه بها وتفانيه فيها، وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة(الناجحين) ، و"والله لا نجاح للدعوة، ولا وصول، إن أعطيناها فضول الأوقات ولم ننس أنفسنا وطعامنا"ويظهر جليا هذا المعنى في سير الأنبياء والمصلحين، فها هو نوح - عليه السلام - يقول (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) ويقول (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا {8} ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) وبقي مخلصا في ذلك السنوات الطوال (ألف سنة إلا خمسين عاما) لم ينقطع عن ذلك إلا لحضور منيته عليه صلوات الله وسلامه.

ومن الصور التي يظهر فيها عدم إخلاص الداعية لدعوته:

1-إعطاء الدعوة فضول وقته فحسب.

2-التثاقل عن الأنشطة الدعوية، ولذا تجد الداعية لا يداوم على البذل، بل يعطي تارة ويشح تارة، ويحضر مرة ويتغيب مرات.

3-محاولة الداعية أن يرمي بثقل الواجبات الدعوية على الآخرين وأن يتملص منها قدر الإمكان.

4-التلفيق في إعداد الأنشطة الدعوية، وعدم الاجتهاد في إخراجها بصورة حسنة.

3)لا تنس فضل الدعوة:

فإن مما يعين على مواصلة الطريق، ويشحذ الهمم لدوام التحرك الدعوي، أن يتذكر الداعية فضل الدعوة وأجرها العظيم.

ولذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر أصحابه بهذا الفضل ليشجعهم، ومن ذلك أنه قال يوما لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من حديث طويل- قال - صلى الله عليه وسلم:"فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمر النعم"رواه البخاري ومسلم.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نضَّر الله - تعالى -عبدا سمع مقالتي فحفظها، ووعاها وأداها، فرُب حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه"رواه أحمد وغيره

ومما يدل على دوام فضل الدعوة وبقاء أجرها للداعية قوله - صلى الله عليه وسلم:"من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا..."رواه مسلم بتمامه.

4)دعوتك واجبٌ عليك:

فينبغي على الداعية الجديد أن يعلم أن نشاطه الدعوي ليس نفلًا يتفضلُ به على دينه، بل هو واجب لا تبرأ الذمةُ إلا به، وحقٌ للمسلمين لا يجوزُ التقصير فيه، قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله:"فعند قلة الدعاة، وعند كثرة المنكرات، وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم، تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته". وقال في موضع آخر:"ونظرا إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد، وإنكار رب العباد، وإنكار الرسالات، وإنكار الآخرة وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان، وغير ذلك من الدعوات المضللة، نظرا إلى هذا فإن الدعوة إلى الله - عز وجل - اليوم أصبحت فرضا عاما، وواجبا على جميع العلماء".

وبهذا نعلم أن"كل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به، ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك، وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى، فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب، وهذا إلى عمل ظاهر واجب، وهذا إلى عمل باطن واجب، فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة، وفي الوقوع تارة".

والأدلة على ذلك من نصوص الكتاب والسنة كثيرة، منها:

قوله - تعالى - (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران104

وفي هذه الآية"حمَّل الله هذه الأمة واجب الدّعوة إلى الخير، نظرا إلى أن هذا الدين قد أشتمل على الخير الذي تدركه العقول السليمة..، وحمّلها واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل جماعات المسلمين الذين عرفوا أوامر الدين وعرفوا حُسنها.. وعرفوا نواهي الدين وعرفوا قُبْحَها.."

5)لا تنس نفسك من الهُدى:

فإن الداعية في زحمة الهموم الدعوية والمشاغل اليومية قد يهتم بالآخرين لكنه ينسى نفسه، ويغفل عن تربيتها على الخير والهُدى،"وهنا تحدث له آفات لا يشعر بها إلا بعد حين، ومنها خواء النفس وقسوة القلب وفتور الهمة، بل وانحراف النية أحيانا.."

فعليك يا أيها الداعية أن تستشعر أن مهمتك الأولى أن تربح نفسك وتنقذها من الضلال.. وقد ندد الله بمن يسترسل في الغفلة فقال (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة44

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت