فهرس الكتاب
إن الدعوة التي نتحدث عنها هي الدعوة بكل معانيها، إذ يدخل فيها كل جزئية في دين الله تعالى نسعى لإحيائها في واقع مجتمعاتنا المسلمة.. فالمجاهد داعية، والشاعر داعية، والأديب داعية، والصحفي داعية، والمهندس داعية، والطبيب داعية، والصانع داعية، وكل من يقدم للمجتمع خدمة وإن دقت ونيته إعزاز الدين فهو داعية من الدعاة...
إن هذه النظرية أكدتها قديما في (ثلاثون طريقة لخدمة الدين) وكان المقصد من التأكيد عليها تجييش الأمة عن بكرة أبيها لتقوم بواجبها في خدمة الدين..
ليس من الحكمة أن نحصر مفهوم الدعوة والدعاة في المعنى التقليدي، وهو الرجل الذي تعلم العلوم الشرعية ويعمل في الشئون الدينية كالخطابة والدروس الدينية والفتوى ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء لهم المقام الأسمى في سلم الدعاة، ولهم الرتبة العليا في منازل العاملين لدين الله...
بناء على ذلك فإن الغاية التي يجب أن ندركها جميعا أن تكون راية الإسلام هي السائدة والمهيمنة على المجتمع، وهذا يقتضي منا أن نستحضر جملة من الثوابت التي عليها نؤسس أولوياتنا أثناء التخطيط والتنفيذ...
هذه الثوابت أجملها في خمسة أمور مهمة:
الأول: لا تكليف إلا بمستطاع، والتضحية بالنفس والمال والوقت من أعلى مراتب الدعوة إلى الله..
الثاني: إذا تعارضت مصلحتان قدمت الأوفر مصلحة، وإذا تعارضت مفسدتان قدمت الأقل مفسدة.. والنظر في تقدير المصالح والمفاسد إلى من اجتمعت فيه خصلتان: العلم الشرعي، والتجربة الواقعية.
الثالث: العقيدة لب لباب المقاصد الدعوية وعليها مدار الغايات الآنية والنهائية، لأنها الأساس الذي بعثت من أجله الرسل وشرعت الشرائع، وأهم مقصد في المعتقد الصحيح توحيد الخالق سبحانه وتعالى وعدم الإشراك معه في العبادة بأي صورة من صور الشرك.
الرابع: الأصل في المسلمين الاجتماع، والخلاف طارئ، فواجب المسلم أن يسعى في درء الخلاف ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والسبيل القويمة في درء الخلاف اتباع الدليل الصحيح ونبذ آراء الرجال، مع اعتبار الخلاف السائغ وغير السائغ، والذي ضابطه الأكبر احتمالية الأدلة...
الخامس: مساعينا يجب أن يحوطها النظام والتنسيق والتخطيط، وإذا كان هذا في وقت الرخاء واجبا ففي وقت الشدة أشد وجوبا، ويجب على من أراد العمل لدين الله تعالى أن يسعى سعيا صحيحا في السر والعلن، متخذا الأسباب معمرا ما بينه وبين الله تعالى..
هذه المقاصد الخمسة أرجو أن يستحضرها الأخوان أثناء قراءة هذه الأوراق، وأن يردوا مجمل ما فيها إلى المعيار في تلك المقاصد والثوابت، وأن يحاولوا الاجتهاد وتحريك الفكر في الخروج من كل مأزق، وألا يظلوا رهناء الظرف، حبيسي الفعل ورد الفعل، وأن تكون المبادرة في أيديهم وليست في أيدي عدوهم...
الباب الأول: نظرية التكامل.... بين التأصيل والتطبيق
الفصل الأول: الصحوة الإسلامية... ما محلها من الإعراب؟
لكثير من شباب الصحوة يتصرف كأنه قطب الكون، ويظن أن أفكاره وبنود منهجه هي الأساس الذي يجب أن تدور حول رحاها كل النظريات وكل الأنشطة والحركات.. ومثل هذا الغارق في الغرور، لا يمكن له أن يخطو خطوة في الاتجاه الصحيح إلا أن يتجرد التجرد الكامل تجاه الأمانة التي حملها، وأن يجعل الهدف الأسمى الذي يسعى إليه هو إعزاز هذا الدين وإعلاء رايته.. وأما لو خالط هذا الهدف حظوظ نفس، أو رواسب جاهلية أو استقطابات مصلحية فلن يقدم مثل هذا العامل أي شيء ذا بال لدين الله تعالى.
نحن نعتقد أن الكثير من الخلافات التي تدور رحاها في ميادين الدعوة وبين شباب الصحوة يمكن أن يحسم بلحظة تجرد عن الهوى، بيد أننا كثيرا ما نظن أن حميتنا لأفكارنا هي حمية للحق نفسه، ومشروعاتنا وتخطيطاتنا هي في سبيل إعلاء راية الحق والحق خلاف ذلك كله...
إن أكبر خطأ يقع فيه العاملون لدين الله تعالى في هذه الصحوة المباركة هي عدم لفت انتباه شباب الصحوة إلى القضايا الكبرى، وعدم صرف أنظارهم إلى المشروع الأكبر وهو هذا الدين نفسه، وأنه يجب أن يسود ويعلو ولا يعلى عليه...
مع أن هذا المعنى يظن البعض أنه واضح وضوح الشمس عنده، ولكننا نوقن بأن تصرفات الكثير من جيل الصحوة بعيد كل البعد عن هذا الوعي العميق.
إننا أحيانا نختزل الدين في رجل، وأحيانا نختزل العلم الشرعي في كتاب واحد، أو في قضية واحدة، وأحيانا نختزل الحق الصريح في مسألة واحدة عليها تدور رحى الإسلام، وأحيانا نختزل العداوة الدينية التي قررها الإسلام في أعداء وهميين، بل ونعادي من لم يعاديهم.. وكل هذا شطط، وخروج عن مسار العمل الدعوي القويم...
لا نكون مغالين إن قلنا: إن البعض لسان حاله يقول: الصحوة أنا وأنا الصحوة، والبعض يجعل نفسه قبلة الساعين ومقصد الباذلين، فإن كان السعي والبذل في فلكه أمن الساعون والباذلون من لسانه، وإن قصروا معه حصل العراك الذميم تشكيكا وتسفيها وتضليلا... بل وربما تكفيرا.
إن الله- تبارك وتعالى -أعلى شأن الدين، وجعله معيار المعايير، بل وجعله الأساس الذي نبني عليه حياتنا وحياة الناس من حولنا.. وعلى هذا المنظور يجب أن نحرك بوصلة العمل الدعوي.. فحيثما كانت مصلحة الدين وعلو رايته فثم وجه الله... أولم يقل الله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) .. وقال: (لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذي كفروا السفلى) .. أولم يرد في الأثر: (الإسلام يعلو لا ويعلى عليه) ..
أولم يقل عمر بن الخطاب: إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله...