الصفحة 2606 من 3812

البعض يظن أن معركته الكبرى، وصراعه الأوحد في حياته أن يجعل الناس مقتنعين بمسألة واحدة أومسألتين أو حتى عشرة.. وينسى أن معاركنا مع أعداء الله تعالى أوسع مضمارا وأكبر إعدادا..

لنحاول أن نبصر مواطئ أقدامنا، ونتعرف على بُنَيَّات الطريق قبل أن نسير، وأن نتلمس أهدافنا الغائية والمرحلية، وأن نعاهد الله على خدمة الدين وإعلاء رايته، لا خدمة فلان أو منهج فلان أو فكرة فلان أو رأي فلان...

إن ذلك لن يحدث إلا إذا اكتسبنا مرونة قوية في التعامل مع كل الناس، حتى مع الكفار، ولا يمكن أن نوجه مسار صحوتنا التوجيه الصحيح ما دامت في قلوبنا قناعات مسبقة بأن الدعوة يجب أن تكون هكذا، وإلا فلا دعوة ولا عمل لدين الله...

إن دوائر الانتماء لهذا الدين واسعة وكثيرة... فهناك المسلم الذي له حظ من الإسلام الانتماء الأكبر الأوسع، وهناك المسلم المؤمن، الذي علا بعمله وتقواه واجتهاده، وهناك من وقع في البدعة والمعصية، وهناك من تمادى وطغا، وهناك من يعصي ويبتدع ويتوب ويرعوي، وليس كل أولئك سواء...

إننا لو تفهمنا هذه الدوائر فلن تختلط الأوراق معنا، فلا يمكن أن نخاطب عاميا نريده أن يصلي ويدع الخنا والفجور، لا يمكن أن نخاطبه خطاب طلبة العلم الشرعي من ضرورة التلقي عن العلماء والاجتهاد في تحصيل المعارف والعلوم... لأن المتلقي ليست لديه قابلية للتلقي أصلا...

هكذا الحال في أناس علما يقينا أن حالتهم في المعصية والابتداع ميئوس منها، فإن الأوفق لنا أن نكيف وجودنا الدعوي مع مثل هذه الحالات حتى لا تُستنزف طاقاتنا وتُمص دماؤنا من حيث لا ندري...

الذي يجعل الكمال هدفا في دعوته مخطئ، لأنه لم يكن هدفا للأنبياء والمرسلين، بل غاية هدفهم أن يؤمن من شاء الله له الإيمان، وحتى من آمن لم يكن الهدف أن يكونوا في الإيمان مثل إيمان الأنبياء والمرسلين... ومرد ذلك إلى تفاوت أحوال البشر، فكان التفاوت في الإيمان والعمل شأن لا مفر منه، فهناك الملتزم بشرع الله المحافظ على حدوده، وهناك المخل ببضعها، وهناك الطاغي العاتي لكنه معدود في الآيبين التائبين، وعلى هؤلاء تنصب جهودنا، ولا يعقل أن يكون همنا جعلهم في مستوى واحد من الإيمان والعمل.

وبين هذا المنحى وذاك، يجب أن ندرس الوضع العالمي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ونعرف الدور الملقى على عاتق الأمة في سبيل تبليغ دعوة الله تعالى..

كل هذا كفيل أن يبصرنا بموقع صحوتنا من الإعراب، والإعراب الإفصاح، هل نحن مفصحون عن أنفسنا بطريقة سوية حقة، أم أننا لا نعرف ما نريد، ولا نعرف ما يريده منا الإسلام، ولا نعرف كيف نتعرف على ما يريده الإسلام؟

إن النظرية المكينة، التي تجعل شباب الصحوة في حالة استقرار نفسي ومنهجي تجاهد دينهم، هي نظرية التكامل، فالاختلاف بين المناهج والأفكار والجماعات أقض مضاجع الدعاة والعلماء بل والشباب الغض الإهاب الذي ما فتئ يلتمس أي وسيلة ليبذل أي شيء في سبيل هذا الدين الذي أحبه وعاهد الله على نصرته.

التكامل معناها أن يشعر كل منتم للصحوة بأهمية الآخر وضروريته، وأن تتعانق الهموم ليتولد الهم الأكبر منصهرا في بوتقة هذا الدين العظيم، وأن نجعل للخلافات محلها المناسب وحجمها اللائق.

عكس نظرية التكامل: نظرية الإسقاط، وهي أن الجميع لا يصلح أن يعمل لدين الله، وأن كل من يقدم شيئا فهو محل تهمة، هذا لسان حال بعض المنتمين لهذه الصحوة، وبالتالي فهم غير مستعدين أن يقتنعوا أن غيرهم يعمل لدين الله أصلا، وإن عمل فعمله هباء منثور لا قيمة له لأنه لم يصطبع بمعيارهم... هل يمكن لهذه النظرة القاتمة أن تقيم للإسلام قائمة...

إن الرسول صلى الله عليه وسلم اكتفى من الناس بالتوحيد الظاهر، وقبل من المنافقين أن يقاتلوا معه، حتى كان منهم من يحسن البلاء في الجهاد فيغتر به المؤمنون، فينبه الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر... وقد استدان الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفار ليصلح شئون الدولة، بل وصالحهم وهادنهم، هذا في الآخر الكافر، فكيف بالآخر الذي أعتبره جزءا لا يتجزأ من هذا الواقع الدعوي الذي أنتمي إليه؟

لنتكامل... في الفكرة، والتخطيط، والنظرة، والعمل... لننسق الهموم، وننسق الاتجاهات، وننسق المراحل، وننسق البذل والعطاء... ومع هذا كله لا ننسى أن نتناصح، فيما نعتقد أن غيرنا أخطأ فيه، بالحسنى، بالموعظة الحسنة، بالكلمة الطيبة، بالتنبيه الرشيد، بالتنويه السديد... بالأخوة الإيمانية الراقية والصبغة العلمية الرصينة، بهذا كله، سنشعر أننا أمة كبيرة قوية... وبدون ذلك سنظل نشعر بالتشرذم، ولن تكون لنا بداية، فضلا عن أن تقوم لنا قائمة.

الولاء الكامل لا يكون إلا لمن تحقق فيه الاتباع الكامل للشرع، وهذا التحقق نسبي، لذلك يجب أن نعطي لهذا النسبي مساحة في التقدير عند الحكم على الآخرين.

ودائرة الحق واسعة، يدخل فيها من عنده بعض الحق، حتى تضيق على الحق الكامل، وهؤلاء هم الذين لهم الولاء الكامل، أما من له بعض الحق فله من الولاء بقدر الحق الذي معه، ونحن في حاجة أن نتواصى بالحق الذي عندنا، ففيه سبيل لدرء الباطل المتلبس بالحق، ولو أننا جعلنا الغلبة في التقدير لأي باطل تلبس به المخالف لم نجد للخير أعوانا في أي ميدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت