الصفحة 2607 من 3812

إن الكثير من المعاني المتعلقة بهذا الموضوع لا يمكن أن تصاغ، وإن صيغت يصعب أن تمثل الغور المراد إيصاله.. لأنها مشاعر تشبه تلك المشاعر التي كان يشعر بها النبي صلى الله عليه وسلم إزاء الضالين الذين أرقوا النبي فلم ينم وأوشك أن يقتل نفسه أسفا على ضلالهم... ومثل هذا لا يوصف بل يجب أن يشعر به صاحبه بنفسه، والله الموفق والمعين.

إن المعاني التي قررناها آنفا هي من الأهمية بمكان، حتى يفهم شبيبة الصحوة حقيقة الدور الذي يجب أن يقوموا به في هذا الواقع المرير، واقع اصطلام الدعاة، الذي هو توطئة لاصطلام الدين من أساسه...

قد مضت دهور كان الشباب ينظرون إلى المشايخ والعلماء والدعاة أنهم هم المنقذ لما يعانيه الشباب من ضيق وتضييق.. وهل العلماء والمشايخ والدعاة إلا شباب أفنوا أعمارهم في العمل لدين الله؟؟؟ ومتى سيأتي دور الشباب ليقوموا بالواجب الملقى على عاتقهم؟؟؟ إن حمل المسئولية أمر لا مفر منه، وفهم هذه المسئولية شرط لا مرد له، والقيام بهذه المسئولية مع الفهم تحد يجب أن نعد شبابنا لمواجهته...

الفصل الثاني: الإمكانيات الدعوية.. بين الهَدْرِ والإهمال!

ليس هَذَرًَا أن نقول إن الصحوة الإسلامية استكملت عدة الصراع الحضاري، وهي مهيأة فعلا للقيام بالدور الأساس في هذا الصراع، ولا يمكن أن نتغاضى عن دور حقيقي تقوم به جموع الصحوة في كل مكان، بالمعنى العام للصحوة والذي بيناه في الفصل السابق، وليس بالمعنى الضيق الذي لسان حاله يقول: أنا الصحوة والصحوة أنا.

لقد ظلت الصحوة في الماضي رهينة الأزمة الداخلية، لقد كانت في صراع حقيقي مع نفسها.. ولم ينجها من هذا الصراع النفسي الذاتي إلا التحديات الكثيرة التي فرضت نفسها على واقع الصحوة...

كان كل تحد كفيل بأن يستأصل الصحوة، ولكن إذا به باعث حياة، ومثير همة، وحافز عزيمة.. وكم من مصيبة وأزمة حلت بالصحوة كانت سببا في إيقاظ الهمم والعزائم وتحريك نطاق السلطة والسيطرة للصحوة...

يفهم من هذا.. أن في نسيج الصحوة إمكانيات جاهزة، وفي المادة التي تتكون منها صحوتنا آلة البقاء.. فأين هي تلك المادة؟؟

أين هي الصحوة؟ إنها أنا وأنت، وهذا وذاك، وفلان وعلان، ممن أرقهم حال الإسلام فطفقوا يعملون بكل همة في سبيل إعادة الهيمنة لهذا الدين... إن الصحوة هي كل من يعمل لدين الله تعالى... هل كل من انتبه فوجد أن العدو يريد لنا الذلة والصغار، فنفض غبار الغفلة، وأخذ يجاهد في سبيل نصرة دين الله تعالى...

مع اتساع هذا المفهوم، إلا أننا لا ندخل فيه جزما من تلبس بكفريات واضحة صريحة، أو تعصب لبدعيات ظاهرة جلية، في المعتقد أو العبادات، لا ندخل فيها من يعادي إخوانه ويعتبرهم خونة للدين والأمة ويقطع كل سبيل لأجل توحيد الأمة، فلكأن النصر لن يتحقق إلا بالفرقة، ولكأن الهزيمة مرتهنة بالوحدة!... ونحمد الله تعالى أن غالب أولئك الذين وجدت فيهم تلك الانحرافات أعلنوا أنفسهم أعداء للصحوة، بل ووالوا العدو لاستئصال هذا الكيان الإسلامي الجديد الذي أشبه ما يكون بالمارد الذي خرج من قمقمه..

الصحوة فيها الأطباء والمهندسون والعمال، فيها الكبار والصغار، الطلبة والعلماء، فيها الأستاذ والتلميذ، فيها الأم والأب، فيها المرأة والرجل، فيها المجاهد والداعية، فيها المحدث والفقيه، فيها خبير الأسلحة وخبير الاستراتيجيات... فيها كل التخصصات حتى علماء الذرة، فالصحوة فيها من قام بهذا الشأن...

لكن أين هم؟؟؟ إنهم منثورون في كل أرجاء المعمورة... لا يربطهم رابط، ولا يجمعهم جامع، انتشروا في كل موقع وصقع، بعضهم يعمل، بعضهم طاقة معطلة وذخيرة غير مستعملة.. إنها إمكانيات كافية لإقامة الخلافة، بين عشية وضحاها، ومخطئ من يظن أن الصحوة تحتاج إلى إعداد وترتيب البيت من الداخل، لقد كان هذا في أول نشأتها، أما وقد مر عليها عشرات السنين، فإن علامات النضج بادية ظاهرة عليها، يحميها الوحي المطهر، ويسوسها العلم الشرعي متمثلا في العلماء الربانيين، ويحركها كل فرد من أفرادها.. ولكن النقص في التكامل والتنسيق والتخطيط...

هل هذه الأعداد الغفيرة من الصحوة ومن كل التخصصات كافرة بغايات الصحوة متنكرة للدور الذي تريد أن تقوم به لإعزاز هذا الدين.. كلا. ولكن العائق الوحيد هو أنه لا يوجد المنسق والمخطط والقائد والمدبر، الجميع ينتظر هذا المنقذ، ينتظر هذا الأعجوبة الذي سيجمع أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر سواء...

ونسينا أو تناسينا أن التكليف الشرعي لا يمكن أن يظل مرتبطا بالقائد والمدبر، فهاهي صلاة الجماعة، من حيل بينه وبين إيجاد الأمام صلى منفردا ولا إثم عليه، وحالة واقعنا أشبه ما تكون بتلك الحالة... فنحن نفتقد القيادة الكاملة، والرؤية الشاملة، فنظرا لعدم وجود القيادة كثر القائدون وكثر المحركون لهذه الأمة، فتناقشت الاتجاهات وربما اصطدمت.

ونظرا لعدم وجود الرؤية الشاملة تعددت الرؤى بل ربما تباينت وتناقضت فما بالك بواقع كثر القادة المدبرون فيه، وكثرت الرؤى والنظريات التي تحركه، هل يمكن أن يصل إلى بداية انطلاق؟؟؟

إن القناعة بوجود إمكانيات جبارة للصحوة لا قيمة له ما لم يكن لدينا قناعة أننا لا يمكن أن نعمل إلا بفريق، ولا يمكن أن ننجز إلا بتخطيط..

إنه العمل المؤسسي الذي يستمر العمل فيه مع استمرار المؤسسة، غير مرتهن بفرد، ولا مربوط بفكرة معينة أو اتجاه معين أو رؤية معينة، فالمؤسسة لها استراتيجيات واضحة وخطوط عريضة بينة، وما واجب العاملين إلا تنفيذ سياسات المؤسسة نحو تحقيق الهدف المنشود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت