فهرس الكتاب
إننا نريد للصحوة أن تنتقل من حالة الاستقطاب الفردي للمشايخ والدعاة إلى حالة العمل المؤسسي الذي يجعل لكل الإمكانيات قيمة ذاتية عالية، ويرفع من مستوى الطاقات فيجعل لها وجودا حقيقيا خارجيا، بعد أن كانت مجرد كهرباء تسري في جسم الصحوة تضر أكثر مما تنفع...
والعجب لا ينقضي من أناس يتخذون من حديث (الغثاء) تكأة لتقرير الواقع والتسليم به، مع أن الحديث سياقه قدري، وما نحن فيه أمر شرعي، والأمة مأمورة بالاتحاد جزما، ونبذ الغثائية حتما، فما علينا لو أننا سعينا في هذه السبيل، وعالجنا كل سلبيات هذه الغثائية، وحاولنا التقليل من آفاتها، والتضييق على روافدها؟
إن تعداد الأمة أكثر من مليار مسلم... يريد البعض من منطلق أفكاره أن يجعل هذا العدد الضخم مجرد أصفار عددية، متجاهلا أن أي مسلم بأي مستوى فيجب أن يكون له دور، وينبغي أن يبحث له الدعاة عن دور..
نذكر هذا في سياق موضوعنا الأساس وهو (اصطلام الدعاة) ، لأننا يجب أن ننظر إلى الواقع من منظار أوسع وأرحب، فأمتنا يجب أن يكون قدرها المحتوم العمل للدين، ويجب أن نربي الناشئة على هذا المسلك، النتائج لسنا مسئولين عنها، ولكننا مسئولين عن المسئولية التي يجب أن نتبناها تجاه أفراد الأمة كلها.
وحتى تخرج الصحوة من هذه النفسية التي تهدر الإمكانيات فإننا يجب أن نحاصر تلك القناعات الزائفة الكاذبة عن إمكانياتنا، يجب أن نكون قاعدة معلومات جديدة عن صحوتنا، مبنية على نظرية التكامل التي تحدثنا عنها، فنحن صحوة تمتد في كل أرجاء المعمورة، لأننا نعتبر تلك الجماعة التي تعمل في أدغال أفريقيا جزء من صحوتنا، ننتسب إليها وتنتسب إلينا، ونحن صحوة تصل يدها إلى كل قطاع من قطاعات الحياة، لأننا نعتبر ذلك التاجر الأمين الصادق جزءا لا يتجزأ من صحوتنا، ولئن كانت له معاص ظاهرة أو خفية إلا أن عاطفته تجاه قضايانا وتفاعله معنا في كثير من الأحايين يعتبر شافعا مشفعا أن نجعله منتميا بصدق لهذه الصحوة الواسعة الأرجاء.
يمكننا أن نتخيل القوة التي سنشعر بها لو أننا حاولنا أن نتجاوز تلك النفسية الإسقاطية التي تعتبر الصحوة أنا والصحوة أنا، إن أمثال هؤلاء كثيرا ما يتعلقون بالمهدي ومجيئه، لأن اليأس من الواقع نتيجة لجأوا إليها حينما تنكروا للصحوة ولقطاعاتها المختلفة احتكارا للحق وإنكارا للآخر.
الباب الثاني: نظرية المبادرة.. بين الواقع المعقد والتخطيط المنظم
الفصل الأول: نحن والواقع.. رؤى مختلفة كيف تأتلف
لا يخفى على أحد أن واقع الإسلام أليم بكل المقاييس، ولسنا في حاجة أن نقيم الأدلة على أن الحرب على الإسلام مستعرة في كل الأصعدة، وأن الإسلام يواجه معارك ضارية مع أعداء من كل نوع ومن كل حدب وصوب.
ونحتاج في هذا المبحث القصير أن نختصر الواقع في معطيات واضحة حتى نستطيع أن نحدد نوعية المواجهة وكيفيتها، فإن أي حديث عن أي حل أو علاج لواقعنا ما لم يكن مبنيا على تصور واضح للواقع فهو بمثابة الذي يحارب عدوا لا وجود له...
إن أخطر قضية تواجهها الصحوة الإسلامية بكل المعايير هي قضية الاجتماع والوحدة، فالصحوة عاجزة عجزا حقيقيا عن إيجاد مجرد تصور لما ينبغي أن تكون عليه عملية الاجتماع أو التنسيق بين الفصائل المختلفة، مع أن الجميع متفق على جملة من التصورات الواضحة، مثل كون الإسلام محارب، وكون الجميع لا بد أن يعمل لدين الله، وكون الأعداء متألبون ضد كل ما هو إسلامي.
فما الذي يجعل من عملية التنسيق والائتلاف قضية مستعصية لدرجة أن البعض من قادة الفصائل قد نفض يده تماما من هذا الأمل المنشود..
ونحن لا نريد أن نقيم أي اعتبار لمن يقولون إن قضية الوحدة لا تمثل مصيرا يجب أن نسعى إليه، فمثل هؤلاء الذين يجهلون أصول الدين وضرورياته غير جديرين أن يكون لهم موطئ قدم في تصور الحل المناسب للخروج من الأزمة، بل إن أي تصور أو اقتراح من مثل هؤلاء سيكون منشؤه ذلك الجهل بالحقائق الشرعية الواضحة، فهل يختلف أحد أن هذه الأمة أمة واحدة، وأن الله أمر بالائتلاف ونهى عن الاختلاف والفرقة؟ سيتحدث البعض عن ضوابط الوحدة، فنقول: أجل، ليس هناك أي مبرر أن يكون التجميع لمجرد التجميع، لأنه ليس حلا مقنعا بالضرورة، ولكن يجب أن يكون الاتحاد خطورة كبرى في طريق الحل الجامع المانع.
هناك الكثير من المحاولات التي سعى أصحابها لتكوين صورة علمية نظرية للوحدة المنشودة بين فصائل الصحوة، وأنوه بمباحث الدكتور صلاح الصاوي، والأستاذ جمال سلطان، الذين يشهد الجميع بغزارة إنتاجهما الفكري، وخاصة الذي يصب في مصلحة الصحوة ككتلة حركية جامعة تعمل في سبيل الدين.
لا يمكن أن نتصور هناك باحثا ليس لديه قناعات شخصية، واتجاهات ذاتية لما يراه ناجعا ومخرجا للمأزق، ولكن ما نريد أن نثبته هنا أن هناك إضافة إلى تلك القناعات الشخصية رؤية جماعية تحاول إيجاد صيغة لإذابة الحدود الوهمية بين تلك القناعات الشخصية والاتجاهات الذاتية.