فهرس الكتاب
هناك اتجاهات ترى المواجهة بين الإسلام والكفر وأعوانه وبين المنافقين وأنصارهم ضرورة شرعية لا تحتمل التأجيل، وهناك تيار يرى تأجيل أن نوع من أنواع المواجهة المسلحة حتى تستكمل الصحوة عدتها في هذا الصراع الضاري الذي ستكون حسابات الخسائر فيه بالدماء والأرواح وليس المال فحسب، وهناك اتجاه يرى أن المواجهة على المدى القريب والبعيد مسألة لا تستحق التفكير لأن هناك أمورا كثيرة تحتاج إلى حسم في محيط الصحوة الإسلامية، وهناك من يرى أن المواجهة في حد ذاتها غير ذات موضوع، لأننا نفترض وجود عدو هو غير موجود إصلا إلا في عقول البعض! والبعض يرى أن الجميع يستطيع أن يعمل بما يظن أنه قناعته الشخصية دون أن يلتفت كل واحد منا إلى الخلافات الداخلية، وأن نحاول التركيز على الخلافات الخارجية، أي أن نحاول إذابة الخلافات الداخلية بين فصائل الصحوة، وأن نلتفت أكثر للخلافات بين الصحوة الإسلامية كصاحب مشروع حضاري عالمي وبين الأعداء الحقيقيين للإسلام الذي ندعو إليه.
لا ريب أن هذه الرؤى المختلفة لها أنصارها من كل قطر، ولها منظروها من كل مستوى، ولها آليات عملية تتحرك من خلالها، بل ولها استراتيجيات تبني عليها أي تحرك آني أو مستقبلي.
وقبل أن ألج في عملية تحليل لهذه الرؤى المختلفة أؤكد ما كنت أقوله قديما بأنه لا أمل لهذه الأمة أن تبدأ في عملية اتحاد حقيقية ما لم يستطيع أهل السنة والجماعة توحيد كلمتهم وإيجاد آلية تجمع الاتجاهات المختلفة التي بلغت العداوة بين بعضها أكثر مما بلغت بينها وبين أعداء الله الصرحاء، ونحن إذ نُكْبِر بذل الكثير من فصائل الصحوة لدين الله والذب عن هذا الدين ودفع صيال العدو عنه فإن العجب لا ينقضي من أن بعض هؤلاء المضحين يبذلون أكثر من هذا في سبيل الرد على إخوان لهم من أهل السنة، وتراهم يصمونهم بصفات وأمور لا يمكن أن تكون إلا في خَئُوْنٍ خَصيم.
وترى أن التهمة الجاهزة بين فصائل أهل السنة هي تهمة التبديع والتشهير بصغائر الأمور ومستحقرات الأفكار، حتى إن زلة العالم بدلا من أن تكون دليلا على فضله وبدلا من أن تنادي على مروءة العامة الخاصة أن يعفوا ويصفحوا إذا بها تُضحي الجريمة النكراء التي لاتجد في عفو الناس مُتسعا، بل إنها تُستغل في الإيقاع والإسقاط، وهي طريقة صرنا نشاهدها تتكرر في كثير من الوقائع والأحوال.
هل الخلاف بين فصائل الصحوة حقيقي أو نظري لفظي؟ أنا أعتبر نفس هذه القضية نظرية لا تستحق الكثير من الوقت للكلام حولها، ولكن لأجل حسم بعض الأسس التي سيقوم عليها تحليل الواقع نود أن نبين: أن الخلاف لا يكون معتبرا إلا إذا كان مبنيا على وجه معتبر من الأدلة الشرعية الصحيحة المقبولة نقلا، وما عدا ذلك فيمكننا أن نعتبره خارج إطار الخلاف أصلا.
وسواء كان الخلاف معتبرا أو غير معتبر فإن التصرف العلمي يختلف عن التصرف العملي تجاه أي خلاف، فعندما يختلف عالم مع عالم آخر حول قضية حتى ولو كانت لا تحتمل الخلاف فإن الإنكار بين الطرفين لن يتجه إلى ساحة الوغى ليحسم النزاع في مسألة علمية عبر أسنة الرماح! بل إن المجادلة بالتي هي أحسن؛ هي المآل الصحيح الرجيح لأي خلاف ثم يأتي الإنكار على خطأ المخالف على قدر مستوى الخلاف.
أما التصرف العملي تجاه أي خلاف فهذا لا يتقرر إلا وفقا لأسس ومعايير عملية أخرى نأخذها في الاعتبار مع الأسس العلمية النظرية، وهو ما يمكن أن نسميه بالفقه الحركي، وهو ما نجده في تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم في إدارة دولة ينضوي تحت لوائها الكفار والمنافقين، في حين نرى أن الأحكام العلمية والنظرية لهؤلاء المنافقين والكافرين تكاد تكون شديدة الحسم، في حين نرى أن التصرفات الإدارية يترجح فيها جانب تهدئة الأوضاع لا تصعيدها، فهل هو تناقض أم أنه تفهيم أن المعطيات الواقعية لها أثر في تخصيص العمومات النظرية، ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم حينما طُلب منه أن يأذن بقتل بعض المنافقين: لا، حتى لا يقال إن محمد يقتل أصحابه.
لقد فطن الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن مكائد المنافقين والكفار لا تقتصر على المكيدة الحربية، بل إن الجانب الإعلامي كان حاضرا في ذلك الصراع القديم، فقتل منافق واحد معدود في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أو من قاطني المدينة سيعتبر فرصة كبيرة للمنافقين حتى يروجوا دعاية عارمة أن محمد يقتل أصحابه، فتنصرف الجهود بعدئذ في دفع التهمة بينما نحن أحوج ما نكون أن ننفقها في الدعوة لهذا الدين.
إننا يمكن أن نجمل اختلاف الرؤى بين فصائل الصحوة في اتجاهين، الأول يدعو إلى المواجهة الحاسمة، والثاني لا يعتبر تلك المواجهة ضرورية أو أنه يؤجلها.
ولا أريد أن أدخل في تفاصيل عميقة وغائرة قد تفحت علينا جراحا نحتاج إلى تضميدها، فنحن أحوج ما نكون إلا تذكير أنفسنا بأننا ركاب سفينة واحدة، ونحن ملاحوها، ولا حيلة لنا في النجاة من الأمواج الهائجة إلا أن تتحد كلمتنا في مواجهة الصعاب.
وأصل الخلاف منشؤه ادعاء كل طرف أن الواقع والخبرة والتجربة تثبت صحة اتجاهه، ويدلل كل فريق على صحة اتجاهه بقرائن وأدلة من المحيط القريب تشهد على ما يقول.
ونحن لا يمكن أن نستوفي الكلام عن تلك الأدلة والقرائن ونرجح رأي أي الاتجاهين، فالخلاف نقر به، ونعترف بوجوده وحضوره، ولكننا بصدد تحريك نظرية ضرورية تحتاجها الصحوة في هذه الآونة، ألا وهي نظرية (تنظيم الخلاف) ، وهي نظرية أكثرُ عَمَلِيَّةً (أي فائدة وأثرا) مما كنا نسميه مع كثير من الباحثين بفقه الخلاف أو حتى فقه الحركة أو حتى فقه الواقع.