فهرس الكتاب
فقد فوجئ الباحثون أن فقه الخلاف وفقه الحركة وفقه الواقع أشبه ما يكون بالزخم المعلوماتي الذي لم يصادف عقلية تحسن التصرف معه، فبدلا من فقه واحد تعدد الفقه وصار في كل فقه مدرسة تدعو إلى اتجاه معين فيه، ومثل هذا نعتبره يعمق الخلاف أكثر مما يحسمه، ولذلك نقول: إننا بحاجة أن نعترف بوجود خلاف، بل خلافات، وأن هذه الخلافات يصعب حلها على المدى القريب، ونحتاج إلى ننظم هذه الخلافات بين فصائل الصحوة بحيث لا تُستنفد الطاقة التي تحتاجها الصحوة في مواجهة العدو، فإن الملاحظ أن كثير من المصنفات التي يصنفها العلماء والدعاة والباحثون تصب في الخلاف الداخلي، أي بين فصائل الصحوة نفسها، وتبتعد عن الخلاف الخارجي أي بين الصحوة ككتلة حركية دعوية تتبنى مشروعا حضاريا واسعا، وبين أعدائها الذين لا تختلف كلمة أهل الإسلام على عَدِّهم من أعداء الأمة.
ومثال هذا الاحتقان والاستنزاف أننا نرىالآن خلافا ضاريا بين من يتبنون المشروع الجهادي وبين من يتبنون المشروع التربوي المبني على تأجيل حل المواجهة، حتى غالب الفصائل التي تنتمي للفريقين غفلت تماما عن المواجهة الحقيقية التي يجب أن تتبناها ضد العدو، كالعلمانيين والشيوعيين والماديين والإباحيين، فهناك عشرات الردود على المخالفين من أهل العلم في مسائل نظرية، بينما تجد المؤلفات التي ترد على العلمانيين والإباحيين أندر من الكبريت الأحمر.
أجل... ولا يزالون مختلفين.. إلا من رحم ربك، فنحن نسعى إلى الرحمة عبر إزالة الخلاف، كما أننا نعتبر أن جزءا من الخلاف قدري محض لا حيلة لبني البشر في دفعه والهروب منه، بل إن وجود الخلاف ووقوعه يمثل نسيجا أصيلا لأي مجتمع حيوي، فالمجتمع الذي لا خلاف فيه لا حركة فيه ولا حياة. فتأمل.
إننا لا بد أن ننظر إلى أنفسنا نظرة ثقة، فكل من يعمل في الساحة إخوان لنا ما داموا على معتقد صحيح ومنهج قويم، وبهذه النظرة الواثقة الواعية نستطيع أن نكون الفريق الذي سيقوم بإذابة الخلاف بين فصائل الصحوة كخطوة راسخة تجاه توحيد الأمة جمعاء.
الفصل الثاني: نظرية المبادرة.. أحدث استراتجيات الحروب الحديثة
إن كل حروب أمريكا في أواخر القرن الماضي والقرن الحالي حروب استباقية، يقصد منها قطع طريق العدو حتى تكون أمريكا في مأمن من مكائده وشروره.
وفي المقابل فإن كل تصرفات الصحوة، حتى ما يعتبر معدودا من النجاحات التي حققتها الصحوة تعتبر ردود أفعال، وكثير منها في غاية البطء والتثاقل.
والعيب في رد الفعل أنه ينشأ رهين لحظته، وليس على أساس تصور واضح للمستقبل، فيكون صاحبه (صاحب رد الفعل) غير مستعد لأية تطورات، لذلك نجد ردود أفعال الصحوة آنية، وليست ذات صلة بالمستقبل القريب أو البعيد.
إننا نحتاج إلى تطوير ردود أفعالنا، كما نحتاج إلى تطوير نظرية المبادرة حتى تكون قابلة للتطبيق في الإطار المعروف والواقع المشهود.
والمبادرة التي نتحدث عنها تتجاوز مجرد مرحلة التخطيط ليكون هناك الاستعداد الواقعي الكامل حتى في إطاره العسكري، إذ لم يعد خافيا على أحد أن المواجهة بين المشروع الحضاري الإسلامي دخل مرحلة التصادم العسكري من أوسع أبوابه، فمن للمسلمين من مفر أن تكون لهم الأهبة اللازمة لمواجهة هذا الصدام باستعدادية تامة.
وأريد أن أقفز في كلامي وأتجاوز المبادرة في إطارها العسكري، لأتحدث عن المبادرة في إطارها الدعوي الحركي.
لماذا نريد أن نركز الحديث عن المبادرة الدعوية الحركية... ؟ لأن كثيرا من أهل العلم يرى أن أغلبية الأمة لاتستطيع تبني أي مبادرة عسكرية حقيقة في هذه الآونة إلا بخسائر متحققة تفوق في حجمها خسائر الالتزام بعدم المواجهة على المدى القريب على الأقل.
لقد طال الاصطلام الدعاة والخطباء والأئمة وقادة شباب الصحوة ومربيها، فاحتلك الظلام على شباب الصحوة، فاحتاجو إلى آلية ليبادروا هذه الهجمة الشرسة بخطوات راسخة نحو غد أكثر وضوحا.
يجب أن ننوه إلى أن البدائل غالبا ما يتسامح في صفاتها أكثر من الأصول، ولذلك ما سنورده هنا قد ترد عليه مؤاخذات شرعية أو حركية، ففي النهاية نعلم أن مآل تلك البدائل هو الإهمال لأن البدل لا يمكن أن يدوم، بل إن اسمه البدل مؤذن بسرعة تحوله.
وسأفترض المبادرة السريعة التي يجب أن يقوم بها شباب الصحوة لتجمع الطاقات تحت لواء واحد على النحو الآتي:
1-رفع كفاءة الصفوف القيادية الحالية لتكون قادرة على تحمل العبء في حالة اصطلام الدعاة كلهم.
2 -التركيز على المناهج العلمية والتربوية والجهادية ونشرها عبر وسائل الإعلام المتاحة وخاصة عبر المؤلفات والكتب والمقالات في الصحف وفي الإنترنت.
3 -تنمية روح التضحية عند شباب الصحوة عبر تعويدهم على بذل المال والوقت في سبيل الدعوة.
4 -إيجاد صيغة إدارية دقيقة تكفل تنمية الروابط الدعوية بين الملتزمين والمنتمين للصحوة، بحيث تتحقق روح الأخوة والتعاون والتكاتف في الأزمات.
5 -إيجاد ميادين دعوية بديلة عن المساجد والمحاضرات فيها، مثل الإنترنت والبيوت والميادين العامة، مع ضمانة وجود أساليب حركية تضمن الأمن والسلامة لممارسي الدعوة بهذه الطرق غير التقليدية.
6 -تقوية الروابط الأخوية، باعتبارها البديل عن المساجد المغلقة والمحاضرات الممنوعة، وذلك عبر إفطارات في البيوت وقيام ليل مع الحرص على تقليل العدد درءا لأعين الطغاة.
7 -تحريك العمليات الدعوية في أصعدة مهجورة مثل الجامعات والمدارس والكليات والمعاهد والمصالح الحكومية والمراكز التجارية، وكل إنسان يستطيع أن يساعد في الدعوة ونشرها بالقدر المتاح له ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.