فهرس الكتاب
يقول ابن تيمية - رحمه الله:"والزكاة في اللغة النماء والزيادة في الصلاح يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح، فالقلب يحتاج إلى أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح، كما يحتاج البدن أن يربى بالأغذية المصلحة ولا بدّ مع ذلك من منع ما يضره فلا ينمو البدن إلا بإعطاء ما ينفعه ودفع ما يضرّه، كذلك القلب لا يزكو فينمو ويتم صلاحه إلاّ بحصول ما ينفعه ودفع ما يضره" (مجموع الفتاوى: 1/96-1/628) .
وسائل التزكية:
تزكية النفوس تكون عن طريق الشرع فلا سبيل إلى ذلك إلاّ من طريق الرسل - عليهم الصلاة والسلام -.
يقول ابن القيم - رحمه الله:"وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشدّ، فمن زكّى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجيء بها الرسل فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟ فالرسل أطباء القلوب، فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم وعلى أيديهم، وبمحض الانقياد والتسليم لهم" (مدارج السالكين) .
1)تحقيق التوحيد: أعظم وسيلة وآكدها {وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} . قال أكثر المفسرين: الزكاة هنا: التوحيد بشهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته وإثبات إلهيته - سبحانه - وهو أصل كل زكاة ونماء، وضده الشرك وقد وصفه الله ? بالنجاسة {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس …} .
2)الصلاة: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيئًا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به من الخطايا) أخرجه البخاري ومسلم.
3)الصدقة: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم} . ولما سأل العباس - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستعمله على الصدقة قال: (ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس) .
4)ترك المحرمات عمومًا: يقول ابن تيمية:"لا يكون الرجل متزكيًا إلا مع ترك الشرّ، فإنه يدنس النفس ويدسّيها". وقال ابن قتيبة:"دساها أي أخفاها بالفجور والمعصية". فاجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن طهرٌ ونقاء وعفاف - كما سَمَّى الشارع الفواحش - من الزنا واللواط - نجاسات وخبائث وقاذورات. {لوطًا آتيناه حكمًا وعلمًا ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث} . {أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} . فأقرّوا مع شركهم وكفرهم أنهم هم الأخابث الأنجاس وأن لوطًا وآله مطهرون من ذلك باجتنابهم له. وقال - صلى الله عليه وسلم:"(من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الخ"أخرجه مالك.
5)محاسبة النفس: قال الحسن: (( إن المؤمن - والله - لا تراه إلاّ قائمًا على نفسه، ما أردت بكلمة كذا؟ ما أردت بأكلة؟ ما أردت بمدخل كذا ومخرج كذا؟ ما أردت بهذا؟ ما لي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا ونحو هذا من كلام ) ). فبمحاسبة النفس يطّلع على عيوبها ونقائصها، فيمكنه السعي في إصلاحها. (( وأضرّ ما على المكلّف: الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها ) )اهـ (ابن القيم / إغاثة اللهفان) .
إن أول خطوة في طريق نهضة الأمة تزكية النفوس.
2 -قوة الاتحاد (التآخي)
لقد تطورت أساليب الصراع وقواه في العصر الحديث، فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق الغلبة بل هناك القوة الاقتصادية، والقوة الإعلامية، والقوة الإدارية: (التنسيق، والتنظيم، وحبك المؤامرات، وبناء التحالفات …إلخ) ، وقوة الاتحاد (الجبهة الداخلية) ، والسلامة من حظوظ النفس وأهوائها، وإذا حدث الضعف أو التصدّع في هذه القوة الأخيرة تأخر النصر أو سرق كما حدث في الجهاد الأفغاني. ويأتي هذا التذكير بحقوق الأخوة في عصر تكاد تنضب فيه الروح والأخلاق في صحراء التفرق وسراب المادّة وهجير البراجماتية.
{واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا …} . فلا أخوة بلا إيمان {إنما المؤمنون إخوة} ، ولا صداقة بلا تقوى {الأخلاء بعضهم يومئذٍ لبعض عدوّ إلا المتقين} .
وفي الحديث (وجبت محبتي للمتحابين في، المتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ) المسند. وحديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله … ومنهم: (رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه) البخاري.
(المتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة يغبطهم الأنبياء والشهداء) المسند.
(من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله ناداه منادٍ أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا) الترمذي.
(مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) البخاري.
هناك الحقوق العامّة التي هي بين عموم المسلمين، وبين المتآخين من باب أولى، ومنها:
أن تسلّم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبرّ قسمه، وتنصح له إذا استنصحك، وتنصره إذا ظلم، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب، وقبول النصيحة إذا نصحك.
والجامع في الحقوق العامّة والخاصّة: أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك من الخير، وتكره له ما تكره لنفسك من الشرّ، وجميع هذا منقول في الآثار، وكما في الحديث: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه ) )رواه البخاري.
الحقوق الخاصّة: