فهرس الكتاب
(الحق الأول) : قضاء الحاجات والقيام بها، وذلك درجات: أدناها: القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة، لكن مع البشاشة والاستبشار، وأوسطها: القيام بالحوائج من غير سؤال، وأعلاها: تقديم حوائجه على حوائج النفس (الإيثار) . وقد كان بعض السلف يتفقّد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة، فيقضي حوائجهم.
(الحق الثاني) : على اللسان بالسكوت تارة وبالنطق أخرى، أما السكوت: فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في حضوره وغيبته ومماراته، وعن السؤال عما يكره ظهوره من أحواله، وأن يكتم سرّه ولو بعد القطيعة، ولا يقدح في أحبابه وأهله، ولا يبلغه قدح غيره فيه.
(الحق الثالث) : وينبغي أن يسكت عن كل ما يكرهه إلا ما وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت، فإن مواجهته بذلك إحسان إليه. واعلم أنك إذا طلبت منزهًا عن كل عيب لم تجد ومن غلبت محاسنه على مساويه فهو الغاية. قال ابن المبارك: (المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات) . وقال الفضيل: (الفتوّة: الصفح عن زلات الإخوان) . وينبغي أن تترك إساءة الظن بأخيك، وأن تحمل فعله على الحسن مهما أمكن، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) . واعلم أن سوء الظن يدعو إلى التجسس المنهي عنه، وأن ستر العيوب والتغافل عنها شيمة أهل الدين، واعلم أنه لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به. ومتى التمست من الإنصاف ما لا تسمح به دخلت في قوله - تعالى: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} . ومنشأ التقصير في ستر العورة والمغري بكشفها: الحقد والحسد. ومن أشدّ الأسباب لإثارة الحقد والحسد بين الإخوان المماراة، ولا يبعث عليها إلا إظهار التميّز بزيادة العقل والفضل واحتقار المردود عليه، وهذا ضدّ الأخوة.
(الحق الرابع) : على اللسان بالنطق، فإن الأخوة كما تقتضي سكوت عن المكروه تقتضي النطق بالمحبوب، بل هو أخصّ لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور، وإنما يراد الإخوان ليستفاد منهم، لا ليتخلص منهم، لأن السكوت معناه كفّ الأذى، فعليه التودّد إليهم بلسانه، وتفقّد أحوالهم، والسؤال عما عرض لهم، ويظهر شغل قلبه بسببه ويبدي السرور بما يسرّون به. وفي الحديث: (إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه) رواه الترمذي.
ومن ذلك: أن يدعوه بأحب أسمائه إليه، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (ثلاث يصفين لك ودّ أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسّع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه) .
ومن ذلك: أن يثني عليه بما يعرفه، من محاسن أحواله، وكذا الثناء على أولاده وأهله وأفعاله، حتى في عقله وهيئته وخطّه وتصنيفه وجميع ما يفرح به من غير إفراط ولا كذب. وكذلك ينبغي أن تبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح به، فإن إخفاء ذلك محض الحسد.
ومن ذلك: أن تشكره على صنيعه في حقّك وأن تذبّ عنه في غيبته إذا قصد بسوء، فحقّ الأخوة: التشمير في الحماية والنصرة. وفي الحديث: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) رواه البخاري. ومتى أهمل الذبّ عن عرضه فقد أسلمه.
ومن ذلك: التعليم والنصيحة، فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال، وإذا كنت غنيًا بالعلم فواسه وأرشده، وينبغي أن يكون نصحك إياه سرًّا.
ومن ذلك: العفو عن الزلات، فإن كانت زلته في دينه؛ فتلطّف في نصحه ما أمكن، ولا تترك زجره ووعظه. (الحق الخامس) : الدعاء للأخ في حياته وبعد موته، بكل ما تدعو به لنفسك، وفي الحديث: (( دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكّل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل ) )رواه مسلم. وكان أبو الدرداء - رضي الله عنه - يدعو لخلق كثير من إخوانه يسميهم بأسمائهم، وكان أحمد بن حنبل يدعو لستة نفر في السحر.
(الحق السادس) : الوفاء والإخلاص، ومعنى الوفاء: الثبات على الحب إلى الموت، وبعد موت الأخ مع أولاده وأصدقائه، وقد أكرم النبي ? عجوزًا وقال: (إنها كانت تغشانا في أيام خديجة، وأن حسن العهد من الإيمان) . ومن الوفاء: أن لا يتغير على أخيه في التواضع، وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه، ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه.
(الحق السابع) : التخفيف وترك التكلّف، وذلك أن لا يكلّف أخاه ما يشقّ عليه، بل يكون قصده بمحبته الله وحده، والتبرك بدعائه، والاستئناس بلقائه، والاستعانة على دينه. ومن تمام هذا الأمر أن ترى الفضل لإخوانك عليك لا لنفسك عليهم، فتنزل نفسك معهم منزلة الخادم. لقد طبّق الصحابة - رضي الله عنه - هذه الحقوق بينهم في تآخٍ تاريخيٍ عزيز، فكان ذلك سببًا من أسباب النصر والتمكين، بل كان سببًا في دخول الأمم الأخرى في الإسلام.
وقد يقول قائل: ما الجديد في هذا الموضوع؟ نحن نريد مشروعًا نهضويًا حضاريًا للأمة!
فأقول: إن أي مشروع مهما كان لن يكتب له النجاح ما لم يحسب حساب بناء الإنسان وصياغته على القيم والأخلاق الإسلامية، ولا حضارة بغير ذلك.
الإنسان الصالح - ولا صلاح بغير الإسلام والسنة - وليس الآلة أو الإنسان المتبع لهواه - هو محور الحضارة.