فهرس الكتاب
قد تملك كثيرٌ من الأمم القوى الماديّة والتنظيمية لكنها لا تملك المنهج (الإيمان والأخلاق بمفهومها الواسع) الذي يوجّه هذه القوى لتحقيق العدل والخير والسلام والرحمة، ولا يتحقق ذلك إلا باتباع توجيهات الإسلام في صغير الأمور وكبيرها ومن ذلك الجانب الماديّ والتنظيمي وعدم التقصير فيه ليتحقق التكامل الفريد الذي لا يوجد إلا في ظلال الإسلام، وأن يكون الاتحاد والترابط (المصلحة العامة) فوق الحظوظ الخاصة - شخصية أو حزبية (المصلحة الخاصة) . ورحم الله (إقبال) حيث قال:
وفي التوحيد للهمم اتحاد... ولن تبنوا العلا متفرقينا
فهل وعى المسلمون ذلك؟ وهل سدّوا هذه الثغرة حتى لا يدخل منها الأعداء فيزيدوا في فرقة المسلمين وشتاتهم؟ وهل بنوا هذه القوة؟
3 -الواقعية في التربية
من المعالم المهمّة في باب السلوك تحقيق الجانب الواقعي الإيجابي، والابتعاد عن المثالية والسلبية، والاعتناء بالجوانب العملية بعيدًا عن الاشتغال فيما لا تحته عمل.
إن من سمات السلوك الشرعي: مراعاة أحوال المكلفين وقدراتهم وطبائعهم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (سدّدوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا) أخرجه البخاري. يقول ابن حجر:"قوله (سددوا) معناه: اقصدوا السداد في الصواب، وقوله (قاربوا) أي لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرطوا)".
إن من مزايا هذا الدين وخصائصه: التلاؤم بينه وبين طبيعة الإنسان، بقوّته وضعفه، ونوازعه ومشاعره.
وقد أشار ابن القيم إلى هذه الواقعية بقوله:"لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حيًّا، فإن هواه لازم له، كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهلكة إلى مواطن الأمن والسلامة، مثاله أن الله - عز وجل - لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة، بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل، وكانت الريح دبورًا فاستحالت صبًا. وكذلك هوى الظفر والغلبة والقهر، لم يأمر بالخروج عنه، بل أمر بصرفه إلى الظفر والقهر والغلبة للباطل وحزبه، وشرع له من أنواع المغالبات بالسباق وغيره مما يمرّنه ويعدّه للظفر …".
ولقد كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - مدركًا لهذا الأمر فلما قال له ابنه عبد الملك: يا أبه ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل، فوالله ما كنت أبالي ولو غلت بي وبك القدور في ذلك، فقال عمر:"يا بني إنما أنا أروّض الناس رياضة الصعب، إني لأريد أن أحيي الأمر من العدل فأوخره حتى أُخرج معه طمعًا من الدنيا فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه".
وللحسن البصري مقالة نفيسة في هذا المقام يقول:"إن هذا الدين واصب، وإنه من لا يصبر عليه يدعه، وإن الحق ثقيل، وإن الإنسان ضعيف، وكان يقال: ليأخذ أحدكم من العمل ما يطيق فإنه لا يدري ما قدر أجله وإن العبد إذا ركب بنفسه العنف وكلف نفسه ما لا يطيق أوشك أن يسيّب ذلك كله، حتى لعلّه لا يقيم الفريضة، وإذا ركب نفسه التيسير والتخفيف وكلّف نفسه ما تطيق كان أكيس وأمنعها من هذا العدو، وكان يقال: شرّ السير الحقحقة".
وهذا أبو حازم سلمة بن دينار - رحمه الله - يقرر هذه الواقعية فيجمع بين موافقة الفطرة وملاءمة نوازع الإنسان مع الاعتناء بترويض النفس وتهذيبها على طاعة الله."فلما جاء رجل لأبي حازم وقال له: إني لأجد شيئًا يحزنني، قال أبو حازم: وما هو يا ابن أخي؟ قال: حبي الدنيا، فقال لي: اعلم يا ابن أخي إن هذا الشيء ما أعاتب نفسي على حبِّي شيءٍ حبّبه الله - تعالى -إليَّ لأن الله - عز وجل - قد حبّب هذه الدنيا إلينا، ولكن لتكن معاتبتنا أنفسنا في غير هذا، أن لا يدعونا حبّها أن نأخذ شيئًا يكرهه الله، ولا أن نمنع شيئًا من شيء أحبّه الله، فإذا نحن فعلنا ذلك لا يضرّنا حبنا إياها".
وقد أعرض طائفة من الصوفية عن تلك الواقعية في الإنسان، فلم يلتفتوا إلى نوازع الإنسان وغرائزه، وخالفوا الفطرة السوية، ولذا تعذّر عليهم قمع تلك الغرائز ثم انتكسوا إلى الإغراق في الشهوات والإباحة.
ولقد تحدّث ابن الجوزي عن هذا الصنف مبينًا سبب انحرافهم فقال:"إن قومًا منهم وقع لهم أن المراد من رياضة النفوس التخلص من أكدارها المردية، فلما راضوها مدّة ورأوا تعذّر الصفاء قالوا: ما لنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر، فتركوا العمل، وكشْف هذا التلبيس أنهم ظنّوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية مثل: قمع الشهوة والغضب وغير ذلك، وليس هذا مراد الشرع، ولا يتصوّر إزالة ما في الطبع بالرياضة، وإنما خلقت الشهوات لفائدة إذ لولا شهوة الطعام لهلك الإنسان، ولولا شهوة النكاح انقطع النسل، ولولا شهوة الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه، وإنما المراد من الرياضة كفّ النفس عما يؤذي من جميع ذلك، وردّها إلى الاعتدال فيه، وقد مدح الله - عز وجل - من نهى النفس عن الهوى، وإنما تنتهي عما تطلبه ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الإنسان إلى نهيها، وقد قال الله - عز وجل: {والكاظمين الغيظ} ، وما قال: والفاقدين الغيظ، والكظم رد الغيظ".
ومن معالم السلوك الشرعي: مراعاة تفاوت قدرات الناس في فعل الطاعات وذلك بسبب اختلاف استعداداتهم وتنوّع مواهبهم وميولهم.