فهرس الكتاب
ولأن الأمر بهذه المنزلة وبهذا السمو؛ فإنه لابد لأي داعية يريد وجه الله والدار الآخرة أن تتضح عنده أمور، حتى يكون المسار سليمًا، والعمل مثمرًا، ومن هذه الأمور ما يلي: أولًا - سلامة القصد والغاية: فمقصود الداعية وغايته: إعلاء كلمة الله، وتحكيم شريعة الله في الأرض، وليس لشخصه ولا لقومه، أو جنسه، أو عشيرته، أو قبيلته، حظٌّ في ذلك ولا نصيب، وإنما الأمر لله، والعمل من أجل الله، ولهذا نلحظ في كتاب الله التركيز على هذا الأمر.
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ) [يوسف: 108] ، (ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ) [فصلت: 33] ، (ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ) [النحل: 125] .
إنها دعوة إلى الله وإلى سبيل الله فحسب، دعوة تبيِّن للبشرية غاية خلقهم، وتعرفهم بربهم وخالقهم ورازقهم، وتبين لهم كيف يكون الإنسان شريفًا بعبوديته لله، وكيف يكون ذليلًا عندما يكون عبدًا لغير الله، تبين لهم كيف تكون الحرية والسؤدد والرفعة والمجد عندما يتحاكمون إلى شرع الله، وكيف يكون الكبت والذل والصغار عندما يرضون بحكم الجاهلية، وقوانين البشر، وتخرصات أهل الزيغ والضلال، من الفلاسفة والعقلانيين والوضعيين وغيرهم.
ثانيًا - سلامة الوصول والطريق الموصل إلى الغاية: وطريق الداعية إلى الله ووسيلته هي طريق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ووسيلته، فإنه أمر الخلق بكل ما أمر الله به، ونهاهم عن كل ما نهى الله عنه، أمرهم بكل خير ونهاهم عن كل شر، ولم يأمر بشيء من عنده ولا نهى عن شيء من تلقاء نفسه، بل كل دعوته بإذن الله، ولم يشرع دينًا لم يأذن به الله، كما قال - عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا) [الأحزاب: 45، 46] ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله: (فالله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة إلى الله تارة، وتارة بالدعوة إلى سبيله، كما قال - تعالى:(ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ) ، وذلك أنه قد علم أن الداعي الذي يدعو غيره إلى أمر، لابد فيما يدعو إليه من أمرين: أحدهما: المقصود المراد.
والثاني: الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود، فلهذا يذكر الدعوة تارة إلى الله، وتارة إلى سبيله، فإنه - سبحانه - هو المعبود المراد المقصود بالدعوة) [2] .
ثالثًا - البصيرة في الدعوة: لكي يحقق الداعية الغاية والمقصود، ويسلم سبيله في الدعوة من الالتواءات والانحرافات، ولكي يسلك سبيل الله ويدع السبل المتفرقة، فلابد من العلم والبصيرة في الدعوة إلى الله - تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحَانَ اللَّهِ ومَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ) .
والبصيرة هي العلم، علم بالله وبسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، علم يجعل صاحبه وقافًا عند حدود الله، طالبًا للحق مذعنًا له متى ظهر وإن خالف هواه، علم يجلو القلوب من أصدائها ويزرع فيها تقوى الله وخشيته وحب الله وحب رسوله، وحب عباده المؤمنين وحب العمل الذي يقرب إلى حب الله ورسوله.
رابعًا - الفقه في الدعوة إلى الله:
1-معرفة أحوال المخاطبين والمدعوين، فإن معرفة أحوالهم مما يعين على اختيار الطريق المناسب، ووضع الأمور في مواضعها، قال - تعالى: (ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ؛ قال ابن القيم- رحمه الله تعالى - حول هذه الآية: (ذكر - سبحانه - مراتب الدعوة، وجعلها ثلاثة أقسام، بحسب حال المدعو، فإنه إما أن يكون طالبًا للحق، محبًا له، مؤثرًا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال، وإما أن يكون مشتغلًا بضد الحق، لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، وإما أن يكون معاندًا معارضًا فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجِلاد إن أمكن) [3] .
فإذن في الناس من تكون الحكمة أبلغ في دعوته من سواها، والحكمة شأنها عظيم، وقد جاءت في الآية السابقة مستقلة واضحة كالشمس لا تحتاج إلى مزيد بيان وتوضيح، بخلال الموعظة والجدال، فقد جاءا موصوفين، الموعظة بأنها الموعظة الحسنة، والجدال بأنه بالتي هي أحسن، ومن المهم أن نعرف أن الشدة في بعض الأمور ولبعض الناس هي من الحكمة، وفى الحكمة سر عظيم، وخير عميم، (ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) .
وبعض الدعاة يبالغ في اصطياد الحكمة، فيذهب الوقت عليه بين مد وجزر، حتى يفلت الأمر من يده قبل أن يبلغ الحكمة أو يقرب منها، وبعضهم يأخذه الحماس والغيرة والاندفاع، فيتجاوز الحكمة بمسافات بعيدة.
وفى الناس من تدخل قلوبهم الموعظة الحسنة، وتأسر مشاعرهم وتتعمق فيها بلطف، ولكن يجب أن تكون حسنة في ألفاظها وفى معانيها، تجعل القلوب تتوق وتتشوق إلى ما عند الله، فتنقاد إلى سبيل المؤمنين لتفوز بالجنة، كما يجب وهى تحذر من عواقب العصيان، وسوء منقلبه، أن تكون حسنة، لا فجاجة فيها ولا غلظة، ولا تقبيح فيها ولا تأنيب في غير موجب، فتعود القلوب الشاردة وتحيا القلوب المريضة بالموعظة الحسنة.