فهرس الكتاب
ظاهرة مرضية في نشأة الجماعات
محمد حسن
جماعات الدعوة كثيرة، ونشأة جماعات جديدة سمة بارزة من سمات الدعوة المعاصرة، وتكوّن جماعات للدعوة ليس خطأ ولا مرضًا، فالدعوة تحتاج إلى جهود كثيرة متنوعة، ولا يمكن لمؤسسة رسمية أو مؤسستين، أو جماعة أو جماعتين أو ثلاثة فقط القيام بمسؤولية الدعوة وتغطية جميع متطلباتها، بل لا يمكن للمؤسسات والجماعات وحدها أن تغطي حاجات الدعوة دون وجود دعاة مستقلين غير منتمين لجماعات، وذلك لتنوع ساحات الدعوة واختلاف البيئات والظروف.
لكن هناك ظاهرة مرضية وغير صحية في تكوّن الجماعات الدعوية ونشأتها، هي أحد أسباب التنازع والشقاق بين الجماعات العاملة في ساحة الدعوة، وأحد معوقات الصحوة والنهضة الإسلامية عمومًا، هذه الظاهرة هي تكوّن أكثر جماعات الدعوة المعاصرة، على مدى العقود الخمسة الماضية، لأسباب غير مقبولة ونشأتها بصورة غير صحية، وعلى الرغم من ذلك كبر عدد منها حتى صار تيارًا، ومنها ما صار تنظيمًا، ومنها ما كان محدود الانتشار، وهكذا تعددت الجماعات والتيارات والاتجاهات الدعوية المتضادة.
ومع إحسان الظن بحقيقة النيات، والتقدير الكبير لكل من بذلوا ويبذلون جهودهم في الدعوة الإسلامية؛ فإن الخلافات والمنازعات، وكثرة توالد الجماعات المتضادة في الساحة الدعوية أمر لا يستطيع أحد إنكاره أو التهوين من شأنه، بل أعداؤنا يعرفون مدى ما وصلت إليه الساحة الدعوية من تمزق، ومن أشهر من سجل ذلك ريتشارد هرير دكمجيان في كتابه (الأصولية في العالم العربي) ، ولا سيما في طبعته الثانية عام 1995م، والتي قام فيها بدراسة 108 جماعات إسلامية.
ولن يحار فكرك في كشف أسباب ظهور أغلب الجماعات؛ لأنها غالبًا لا تتعدى الصور الآتية:
-نشأة جماعة بسبب شخصية بارزة:
حيث يبرز شخص له صفات قيادية قوية، ويتمتع بمهارات عالية في الإقناع، فيلتف حوله أشخاص معجبون به وبقدراته الخطابية على رغم قلة باعه في العلوم الشرعية، ثم تنشأ الجماعة!
-نشأة جماعة بسبب كتاب:
تنشأ الجماعة هنا بعد قراءة شخص أو أشخاص لكتاب، فيعجب به لما يرى فيه من براعة في تحليل الواقع، وطرح الحلول لأزمات المسلمين، فيصبح الكتاب هو قبلة الجماعة لا يرون فكرًا غير فكره، ولا حلولًا غير حلوله لمشكلات الأمة، ولا منهجًا غير منهجه!
-نشأة جماعة رد فعل لما تراه أخطاء لجماعة أخرى:
فهناك العديد من الجماعات التي نشأت بسبب أن شخصًا رأى جماعته الأم قاصرة عن تحقيق الأهداف، أو وقعت في ما يراه أخطاء لا تُحتمل، أو بسبب نزاعات داخلية شخصية أو دعوية، وهكذا..أخطاء لدى جماعة من الجماعات يحدث رد فعل لدى بعض أتباعها، فينشقون ويكونون جماعة، ولو اقتصرت الجماعة الجديدة على اتخاذ منهج آخر في الدعوة لعلاج قصور أو خطأ لهان الأمر، ولكنها تنشق لتكون جماعة مضادة، لا همّ لها سوى أن تكون مخالفة للجماعة الأولى.
هذه أغلب صور نشأة كثير من جماعات الدعوة، وهي نشأة غير صحية لأنها قائمة على أسباب لا تتصل بواقع الدعوة وأهدافها الحقيقية، كما أنها في الغالب أسباب لا تقوم على أساس علمي مدروس، ولذلك يكثر وقوع كثير منها في الانحرافات والأخطاء بسبب القصور الشديد في العلوم الشرعية، ولذلك لم تقم تلك الجماعات ولا تقوم غالبًا إلا بدورين:
المواجهة مع الجماعات الأخر والدخول معها في حروب كلامية وفكرية، والمواجهة مع السلطات، أو التعاون مع بعضها ضد الجماعات الأخر، والنتيجة منح أعداء الدعوة فرصة يستغلونها لتشويه الدعوة والدعاة ومحاربتهم، وتضييع الجهود والأوقات بعيدًا عن تعليم الناس الدين والعمل على هدايتهم، وحمايتهم من الانحراف والفساد.
كما أن تلك الأسباب في نشأة الجماعات يترتب عليها أمراض كثيرة وآفات عظيمة تأكل الأخضر واليابس في ساحة الدعوة، وتمزق روابط الأخوة، وتقطع التناصح والتراحم بين المسلمين، ولو ألقينا نظرة فاحصة لكثير من الجماعات العاملة في الدعوة، ولواقع الدعوة عبر العقود الخمسة الماضية في العالم الإسلامي؛ فسنرى تلك الآثار الخطيرة للنشأة غير الصحية لتكوّن الجماعات:
-أن تلك الجماعات التي نشأت نشأة غير صحيحة تسعى لتحقيق مكاسب خاصة، تتمثل في تكثير الأتباع، والدعوة لمنهج الجماعة لا نشر الإسلام بدرجة أولى.
-أنها تتنافس على المنتمين القدامى غالبًا، فالجماعة الجديدة سواء كانت منشقة أو غير ذلك، تسعى أولًا لضم أعضاء جدد من أعضاء الجماعات الأخر.
-أن كل جماعة تدّعي أن الحق معها وحدها، وأن الآخرين على ضلال مبين.
-أن كل جماعة تربي أتباعها على عداء الجماعات الأخر، وشحن نفوسهم ببغض الآخرين وتنقيص قدرهم وتسفيه عقولهم وتخطئة مناهجهم.
-أن جهود الجماعات الدعوية يضيع أغلبه في تحقيق ما سبق، وفي التنافس مع الجماعات الأخر والنزاعات الداخلية والخارجية، ولا يتبقى لدعوة العامة ونشر الإسلام وتعاليمه ومقاومة تيارات التغريب والإلحاد والفساد غير القليل من الوقت والجهد.
-أضف إلى ذلك تصدير النزاعات التاريخية بين الجماعات الدعوية إلى خارج بلد المنشأ، فترى الصراع التاريخي موجودًا لدى أتباع الجماعات في بلاد مثل إنجلترا وأمريكا وغيرهما من الدول، وذلك في أماكن الدراسة والمساجد، بل انتقل الصراع إلى الإعلام في الصحف ومنتديات الشبكة العالمية الإنترنت.
-أضف إلى ذلك أن الصراع يظل متوارثًا حتى في أجيال ولدت بعد ظهور أسبابه بسنوات.
ولا حاجة بنا إلى ضرب أمثلة فالواقع طافح ومليء بها.