فهرس الكتاب
إن نشأة الجماعات بهذه الأسباب لا يؤدي فقط إلى تأخر الدعوة بل يؤدي إلى ارتكاب المنكرات، والوقوع في المحرمات، فمع وجود التنازع جراء الأسباب السابقة تُستباح الغيبة، ويكثر البهتان، ويظهر قول الزور، ولو شئت فنظرة واحدة في بعض المنتديات على مواقع الجماعات تكفيك لتدرك مدى ما وصلت إليه نفوس كثيرين من تعصب وتباغض وتجرؤ على تسفيه الدعاة واتهامهم والتحذير منهم لأنهم من جماعة أخرى، وقد لا تصدق مدى ما يصل إليه العداء، وإهدار حقوق الأخوة الإسلامية لو قرر بعض المنتمين لجماعة من الجماعات انتهاج منهج آخر في الدعوة، أو رأى توجيه نفسه لما يراه نافعًا لنفسه وللمسلمين بطريقة مستقلة. كل هذا وغيره يجري تحت ما تزينه كل جماعة لنفسها باسم مصلحة الدعوة وحماية الجماعة ومواجهة أعداء الدعوة.
إن الدعوة لها قداستها وخطورتها، فهي عمل الأنبياء - عليهم السلام -، ولا ينبغي لأحد أن يقتحم ساحتها إلا بهدف الدعوة إلى الله، ولا ينبغي لأحد أن يُقدم عليها إلا على بصيرة
إن كثيرًا من الجماعات ولا سيما الجماعات الصغيرة قائمة على هذه الأسباب المرضية، بل يستمد كثير منها وجوده من تفعيل هذا السبب دومًا لأنه أصل وجود الجماعة، فالجماعة التي قامت بسبب نزاع في الرأي تجدها دومًا تحافظ على وجود سبب النزاع وتعظّم فيه، فلذلك يكون نقد الجماعة الأخرى منهجًا ثابتًا يتم تلقينه للمنتمين الجدد، والجماعة التي نشأت بسبب الإعجاب بكتاب تراها تقدس ذلك الكتاب، وتقدمه على كل قول وفكر ورأي، وتربي عليه أتباعها، والجماعة التي قامت على أساس الإعجاب بشخص تراها تمجد هذا الشخص وتربي أتباعها على الولاء له حيًا وميتًا، لا تقبل له نقدًا أو معارضة ففكره فوق كل فكر ورأيه فوق كل رأي.. إنها مأساة وأزمة دعوية خطيرة!
كفى الدعوة زمنًا ضاعت فيه الجهود وأهدرت الأوقات في صراعات غير مسوّغة ولا مقبولة شرعًا، وكفى الدعاة زمنًا سيطرت فيه على كثير من أعمالهم الدعوية ألوان من الهوى والتعصب وحب الزعامة والغرور.
ولا يقع اللوم على الذين ينشؤون جماعات لسبب من الأسباب المرَضية السابقة وحدهم، بل يقع أيضًا على عاتق الجماعات الأولى أو الأم، لأن جمود تلك الجماعات على فكر إداري واحد للدعوة والدعاة، وضيقها بالمخالف، والتعصب لمنهج لا يرون الحق إلا من خلاله؛ هو سبب من أسباب تنازع الدعاة وتفرقهم، لأن الجمود في إدارة الدعوة والمناهج الدعوية يؤدي إلى تصادم لا محالة مع الواقع المتجدد للساحة الدعوية، وما لم يحدث تطوير مستمر وإدراك لمتطلبات الواقع المتغير، وتحقيق لصفة المرونة في إدارة الدعوة والمناهج الدعوية؛ فسوف تنشطر الجماعة إلى جماعات متناحرة يهلك بعضها بعضًا.
وما حاجة المسلمين إلى جماعة يكون كل همها إثبات أن الجماعات الأخر على ضلال وبذل الجهد الكبير لإثبات ذلك، واتخاذ التحذير من عدد من الكتب أو المؤلفين هدفًا رئيسًا للدعوة تُفرد له الخطب والمحاضرات والكتب والرسائل! ولا أدري ما الفائدة التي سوف تعود على المسلمين والإسلام من جماعة تنشأ رد فعل لنزاعات شخصية بين الدعاة! غير زيادة عدد الجماعات المتهارشة، وإحداث الفرقة بين المسلمين، وإشغالهم بما لا طائل تحته من الناحية العملية.
إن الدعوة لها قداستها وخطورتها، فهي عمل الأنبياء - عليهم السلام -، ولا ينبغي لأحد أن يقتحم ساحتها إلا بهدف الدعوة إلى الله، ولا ينبغي لأحد أن يُقدم عليها إلا على بصيرة، قال - تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] . أما أن تكون تلك الأسباب المرَضية هي الأساس لتكوين الجماعات، بهدف التجميع وتكثير الأتباع، وجر الشباب إلى نزاعات وخصومات، وشغلهم بأفكار خاصة وتصورات شخصية أعجبت صاحبها؛ فهذا يعني التمزق والتفرق، والإخفاق الذريع والسقوط المريع، في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها الأمة الإسلامية وهي في أشد الحاجة إلى نشر الإسلام، وتحبيب الناس فيه، وجمع الصفوف، وتأليف القلوب، قال - تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] .
حيل أهل الباطل لفتنة الدعاة
صراع الحق مع الباطل قديم، قدم هذا الإنسان على هذا الكوكب، بل أقدم من ذلك، فمنذ أن خلق الله الإنسان وأمر الملائكة، ومن ضمنهم إبليس، بالسجود لآدم (فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 34] ، ومنذ تلك اللحظة حقد إبليس على بني آدم، بسبب تكريم الله لهذا المخلوق على باقي خلقه لما ميزه عنهم بالعقل والعلم، وأقسم الشيطان بالانتقام من هذا المخلوق وتسخير جميع ما أعطاه الله من قدرة لإغواء بني آدم ثم إلقائهم جميعًا في جهنم إلا فئة قليلة منهم وهم"المخلصون"المتبعون لمنهج الحق، فقال بحقد: (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلًا) [الإسراء: 62] أي لأستولين على ذريته إلا أولئك القليل.