فهرس الكتاب
ومنذ ذلك الوقت أصبح هناك صراع بين هذه القلة التي تتواجد في كل عصر وبين أولئك الكثير الذين أضلهم إبليس وقادهم إلى جهنم، والصراع سببه إصرار إبليس على فتنة معظم بني آدم بكل ما يملك من الوسائل، وإصرار العصبة القليلة من أتباع الحق السائرين على منهج الهداية، على الثبات على هذا المنهج خوفًا من جهنم، وبين هذين الإصرارين ينتج الاحتكاك، ويكون الصراع بين الفريقين متخذا أشكالًا عدة، ومن أبرز أساليب اتباع الباطل والفساد هو إلقاء الشبهات واختلاق الأكاذيب واستعمال الحيل لتشويه نصاعة مسيرة أصحاب الحق حتى ينفر الناس منهم ولا يصدقوهم بما يقولون، لأن الناس جبلوا على كراهية من يخالف قوله فعله، هذا جانب من جوانب الحرب التي لاقاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بداية الدعوة.
حرب المصطلحات:
جاء في السيرة النبوية:"كان عمه أبو لهب يتبعه فيقول للناس لا تقبلوا قوله"، وكان يقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"ألا لا ترفعوا برأسه قولًا، فإنه مجنون يهذي من أم رأسه." [انظر البداية والنهاية: 3/141] .
فوصف الكفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسحر والجنون والشعر والكهانة ليفضوا الناس من حوله ويصدوا المدعوين عن دعوته وينفروهم من الجلوس معه أو الاستماع منه.
تكرر الصورة:
هذه الصورة تتكرر في كل عصر يشتد فيه ويعلو صوت الباطل، تتكرر في جميع زواياها، مع اختلاف فقط في الأوصاف والحيل لتلائم العصر المعاش..فإذا كان أهل الباطل في الماضي يقولون عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه مجانين وسحرة وكهنة، فاليوم لا تتناسب هذه الشبهات مع عصر العلم الحديث، وإنما يقولون:"متعصبون"، والناس يكرهون التعصب، ويقولون:"طائفيون"والناس يكرهون التفرقة.ويقولون:"رجعيون"والناس يحبون التقدم.ويقولون:"إرهابيون، ومتطرفون، وانتحاريون"، ويقولون:"يريدون قلب نظام الحكم"لتخويف الأنظمة فتتسلط عليهم بالتضييق والتذبيح والسجن، ويخوفون الشعوب لأن الناس لا يحبون القلاقل والفوضى، ويحبون الاستقرار والنظام.
أنواع من الحيل:
كانت"حرب المصطلحات"إحدى الحيل المستخدمة في ميدان المعركة الدائمة بين أصحاب الحق وزمرة الباطل، وللباطل حيل أخرى كثيرة فهم يدرسون كل فرد، أو كل مجموعة على حدة، دراسة مستفيضة يعرفون نقاط الضعف، ونقاط القوة في كل فرد وفي كل جماعة، ومن خلال هذه الدراسة يبدؤون بحياكة هذه الألاعيب، ونصب هذه الشباك، ليقع فيها من يقع من الدعاة، ومن أهم هذه الألاعيب:
الترغيب في المناصب والأموال
ويكون هذا باتجاهين إما بإعطائه أو منعه:
فالأول: يكون بعرض هذه المناصب العالية والدرجات على الداعية والتلميح له بها من أجل التنازل عن مبادئه، وقد حاول المشركون ذلك مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين عرضوا عليه الملك والجاه والمنصب، والمال والثراء، والزواج ممن يحب ويرغب.. فعرضوا عليه كل ما يتمناه المرء في دنياه كل ذلك ليغروه عن دينه ويبعدوه عن دعوته فما اغتر ولا انخدع، ولكنها تبقى حيلة يتصيد بها أهل الباطل أصحاب الدعوات.
فإذا لم تنجح تلك الحيلة في استمالة الداعية أو على الأقل تحييده استبدلوا التلويح بالعطاء بالتلويح بالمنع فتتوقف الدرجات والعلاوات، ويحرم من المناصب التي هو أهل لها، وتعطى لمن هو دونه لإغاظته، وربما عملوا على حرمانه من عمله بالكلية، وضيقوا عليه فيه كما هو الواقع في منع قبول الملتزمين والملتحين في الوظائف، وهو ما يسمونه باستراتيجية تجفيف المنابع.
هذا الوضع يجعل البعض يفكر جديًّا بتغيير هويته الإسلامية، والتنازل عن مبادئه في سبيل الحصول على ما فقده بسبب التزامه، وكم رأينا من أثرت فيه هذه الحيلة وابتعد عن الطريق، ولعمر الحق إن هذه لفتنة عظيمة في صورتيها.. ونسأل الله الثبات.
التخويف والتهديد:
وهي من الحيل التي يتبعها أهل الباطل في مواجهة أهل الحق خصوصا في بداية الدعوات وقد هُدد أصحاب الدعوات من الأنبياء والمرسلين.. فهؤلاء قوم نوح يقولون لنبيهم:"لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين"، وقال قوم لوط له:"لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين"، وقال قوم شعيب:"لنخرجنك يا شعيب والذين معك من قريبتنا أو لتعودن في ملتنا"، وكذلك قال كل أهل الباطل:"وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أول لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين"، وقال فرعون لموسى:"لئن اتخذت إلها غيري لتكونن من المسجونين"وهكذا تسير هذه القافلة المباركة لتتلقى نفس هذه الحيل الإرهابية من أهل الباطل لتخويفهم وردهم عن طريق دعوتهم والله من ورائهم محيط"وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".
البعثات الخارجية:
ومن حيل أهل الباطل أنهم إذا رأوا نشاطا من بعض الدعاة وأن من وراء عمله ثمرة ظاهرة وأثرا كبيرا أرسلوه للخارج لبعثة دراسية، أو لتمثيل بلده بمؤتمر، أو دورة، أو تمثيلًا دبلوماسيًا، أو لأي غرضٍ من الأغراض، ويتفقون هناك مع بعض من يقوم بإغرائه بشتى المغريات، أو أن الجو هناك يكون بذاته فتنة له، ويبعده عن الجادة التي تربَّى عليها، أو أنهم يرسلون له من يخلصهم منه هناك بحادث ضد مجهول، بعيدًا عن غضبة جمهوره في بلده.
تشويه السمعة وإلصاق التهم: